Skip to content

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين المطلب الثالث دفع دعوى المعارضات الفكرية المعاصرة عن أحاديث عذاب الميت ببكاء أهله عليه

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Printed page ٢/ ١١٦٠

والمغيرة، لجوازِ أنْ يكون الخَبَران صَحيحين معًا، وكلُّ واحدٍ منهما غيرُ الآخر» (١).

وبتأمُّلنا في دعاوي المُعاصرين في إنكارِ هذا الخبرِ، نلحظ أنَّها ترتكز على أَمرين، لم يُصِب المخالفون في تصحيحِ أصلِه الَّذي ابتُني عليه إنكارُه (٢):

الأوَّل: توهُّمهم أَنَّ ظاهرَ الحديثِ مُعاقبةُ الميِّت بلا وِزرٍ اقترفه، ولا ذنبٍ جناه؛ هذا قادهم إلى القول بـ:

الثَّاني: أنَّ هذا الظَّاهر مَدْفوع بيَقينِ العقلِ وضَرورة الشَّرع.

والحقيقة: أنَّ ظاهر الحديث لا ينافيه العقل؛ فضلًا عن الدَّلائل النَّقليَّة، وما ظنُّوه منافيًا لهذا الظَّاهر، ليس هو مَدلوله ولا ظاهره، بيان ذلك:

أنَّ المعارِضين قَصَروا معنى (العذاب) على (العقاب)، والصَّواب: أَنَّ العذاب أَعمُّ من العِقاب؛ فكلُّ عِقابٍ عذاب بلا عكس.

والَّذي يُبرهن على هذه الدَّعوى الدَّلائل التَّالية:

تسمية الله تعالى على لسان أيوب ﵇ ما ابْتَلى به عبدَه عذابًا، فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]، والعذاب هنا بمعنى: الضُرِّ في بدنِه وأهلِه الَّذي ابتلاه الله به (٣)، لا على سبيل العقوبة له ﵇؛ وإنَّما ابتلاءً له.

ومِن البراهين الدَّالة على بطلان قصرِ مفهومِ العذابِ على العقابِ:

ما صحَّ عن النَّبي ﷺ مِن حديث أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: «السَّفرُ قِطعةٌ من العَذَابِ، يمنع أَحدكم طعامَه وشرابه ونومه، فإذا قضى أحدكم نَهْمَتَهُ من سَفَرِه، فَلْيعجِّل بالرجوع إلى أهله» (٤)، فَسَمَّى النَّبي ﷺ السَّفر قطعةً مِن العذاب، ومعلوم أنَّه إنَّما أراد الألم الحَاصِلَ للمسافر، وليس هو على جهة العِقَاب.