سبل السلام شرح بلوغ المرام - ط الحديث
٥٠٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ - سُجِّيَ بِبُرْدِ حِبَرَةٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
٥٠٥ - وَعَنْهَا: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
٥٠٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ
طَرْفُهُ. وَفِي إغْمَاضِهِ ﷺ طَرْفَهُ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ، وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَقَدْ عُلِّلَ فِي الْحَدِيثِ ذَلِكَ بِأَنَّ الْبَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ أَيْ يَنْظُرُ أَيْنَ تَذْهَبُ.
وَالْحَدِيثُ مِنْ أَدِلَّةِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْأَرْوَاحَ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ مُتَحَلِّلَةٌ فِي الْبَدَنِ، وَتَذْهَبُ الْحَيَاةُ مِنْ الْجَسَدِ بِذَهَابِهَا، وَلَيْسَ عَرَضًا كَمَا يَقُولُهُ آخَرُونَ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُدْعَى لِلْمَيِّتِ عِنْدَ مَوْتِهِ وَلِأَهْلِهِ وَعَقِبِهِ بِأُمُورِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ يُنَعَّمُ فِي قَبْرِهِ أَوْ يُعَذَّبُ.
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «حِينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدِ حِبَرَةٍ» بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَمُوَحَّدَةٌ فِرَاءٌ فَتَاءُ تَأْنِيثٍ بِزِنَةِ عِنَبَةٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) التَّسْجِيَةُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ التَّغْطِيَةُ أَيْ غُطِّيَ، وَالْبُرْدُ يَجُوزُ إضَافَتُهُ إلَى الْحِبَرَةِ وَوَصْفُهُ بِهَا وَالْحِبَرَةُ مَا كَانَ لَهَا أَعْلَامٌ، وَهِيَ مِنْ أَحَبِّ اللِّبَاسِ إلَيْهِ ﷺ، وَهَذِهِ التَّغْطِيَةُ قَبْلَ الْغُسْلِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، وَحِكْمَتُهُ صِيَانَةُ الْمَيِّتِ عَنْ الِانْكِشَافِ وَسَتْرِ صُورَتِهِ الْمُتَغَيِّرَةِ عَنْ الْأَعْيُنِ قَالُوا: وَتَكُونُ التَّسْجِيَةُ بَعْدَ نَزْعِ ثِيَابِهِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا لِئَلَّا يَتَغَيَّرَ بَدَنُهُ بِسَبَبِهَا.
(وَعَنْهَا) أَيْ عَائِشَةَ (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَقْبِيلِ الْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَعَلَى أَنَّهَا تُنْدَبُ تَسْجِيَتُهُ، وَهَذِهِ أَفْعَالُ صَحَابَةٍ بَعْدَ وَفَاتِهِ لَا دَلِيلَ فِيهَا لِانْحِصَارِ الْأَدِلَّةِ فِي الْأَرْبَعَةِ نَعَمْ هَذِهِ الْأَفْعَالُ جَائِزَةٌ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبَّلَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ، وَهُوَ مَيِّتٌ، وَهُوَ يَبْكِي أَوْ قَالَ: وَعَيْنَاهُ تَهْرَقَانِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.