Skip to content

تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن [سورة البقرة (٢): آية ١٨٩]

تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن

القرطبي

Printed page ٢/ ٣٤١

فَوْقَ، وَلَا يُفَسَّقُ بِمَا دُوِّنَ ذَلِكَ. وَهَذَا كُلُّهُ مَرْدُودٌ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَبِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ، قَالَ ﷺ:" إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ" الْحَدِيثَ، مُتَّفَقٌ عَلَى صحته.

[سورة البقرة (٢): آية ١٨٩]

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)

فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى:" يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ" هَذَا مِمَّا سَأَلَ عَنْهُ الْيَهُودُ وَاعْتَرَضُوا بِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ مُعَاذٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْيَهُودَ تَغْشَانَا وَيُكْثِرُونَ مَسْأَلَتَنَا عَنِ الْأَهِلَّةِ، فَمَا بَالُ الْهِلَالِ يَبْدُو دَقِيقًا ثُمَّ يَزِيدُ حَتَّى يَسْتَوِيَ وَيَسْتَدِيرَ، ثُمَّ يُنْتَقَصُ حَتَّى يَعُودَ كَمَا كَانَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقِيلَ: إِنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا سُؤَالُ قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْهِلَالِ وَمَا سَبَبُ مِحَاقِهِ «١» وَكَمَالِهِ وَمُخَالَفَتِهِ لِحَالِ الشَّمْسِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ وَغَيْرُهُمْ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" عَنِ الْأَهِلَّةِ" الْأَهِلَّةُ جَمْعُ الْهِلَالِ، وَجُمِعَ وَهُوَ وَاحِدٌ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ هِلَالًا وَاحِدًا فِي شَهْرٍ، غَيْرَ كَوْنِهِ هِلَالًا فِي آخَرَ، فَإِنَّمَا جُمِعَ أَحْوَالُهُ مِنَ الْأَهِلَّةِ. وَيُرِيدُ بِالْأَهِلَّةِ شُهُورَهَا، وَقَدْ يُعَبَّرُ بِالْهِلَالِ عَنِ الشَّهْرِ لِحُلُولٍ فِيهِ، كَمَا قَالَ:

أَخَوَانِ مِنْ نَجْدٍ عَلَى ثِقَةٍ ... وَالشَّهْرُ مِثْلُ قُلَامَةِ الظُّفْرِ

وَقِيلَ: سُمِّيَ شَهْرًا لِأَنَّ الْأَيْدِيَ تُشْهِرُ بِالْإِشَارَةِ إِلَى مَوْضِعِ الرُّؤْيَةِ وَيَدُلُّونَ عَلَيْهِ. وَيُطْلَقُ لَفْظُ الْهِلَالِ لِلَّيْلَتَيْنِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ، وَلَيْلَتَيْنِ مِنْ أَوَّلِهِ. وَقِيلَ: لِثَلَاثٍ مِنْ أَوَّلِهِ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هُوَ هِلَالٌ حَتَّى يُحَجِّرَ وَيَسْتَدِيرَ لَهُ كَالْخَيْطِ الرَّقِيقِ. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ هِلَالٌ حَتَّى يَبْهَرَ بضوئه