Skip to content

تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن [سورة البقرة (٢): آية ١٥٩]

تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن

القرطبي

Printed page ٢/ ١٨٤

قُلْتُ: وَهَذَا ثَابِتٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ" إِبْرَاهِيمَ «١» ". التَّاسِعَةُ- وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَطُوفَ أَحَدٌ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا إِلَّا مِنْ عُذْرٍ، فَإِنْ طَافَ مَعْذُورًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ طَافَ غَيْرَ مَعْذُورٍ أَعَادَ إِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْبَيْتِ، وَإِنْ غَابَ عَنْهُ أَهْدَى. إِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ بِنَفْسِهِ وَقَالَ: (خُذُوا عَنِّي مَنَاسِككُمْ). وَإِنَّمَا جَوَّزْنَا ذَلِكَ مِنَ الْعُذْرِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ عَلَى بَعِيرِهِ وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ «٢»، وَقَالَ لِعَائِشَةَ وَقَدْ قَالَتْ لَهُ: إِنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: (طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ). وَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا بَيْنَ أَنْ يَطُوفَ عَلَى بَعِيرٍ أَوْ يَطُوفَ عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ، فَإِنْ طَافَ عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ لَمْ يُجْزِهِ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ طَائِفًا، وَإِنَّمَا الطَّائِفُ الْحَامِلُ. وَإِذَا طَافَ عَلَى بَعِيرٍ يَكُونُ هُوَ الطَّائِفُ. قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادُ: وَهَذِهِ تَفْرِقَةُ اخْتِيَارٍ، وَأَمَّا الْإِجْزَاءُ فَيُجْزِئُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَطِيفَ بِهِ مَحْمُولًا، أَوْ وُقِفَ به بعرفات محمولا كان مجزئا عنه.

[سورة البقرة (٢): آية ١٥٩]

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (١٥٩)

فيه سَبْعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الَّذِي يَكْتُمُ مَا أُنْزِلَ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مَلْعُونٌ. وَاخْتَلَفُوا مَنِ الْمُرَادِ بِذَلِكَ، فَقِيلَ: أَحْبَارُ الْيَهُودِ وَرُهْبَانُ النَّصَارَى الَّذِينَ كَتَمُوا أَمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَقَدْ كَتَمَ الْيَهُودُ أَمْرَ الرَّجْمِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ كُلُّ مَنْ كَتَمَ الْحَقَّ، فَهِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ كَتَمَ عِلْمًا مِنْ دِينِ اللَّهِ يُحْتَاجُ إِلَى بَثِّهِ، وَذَلِكَ مُفَسَّرٌ فِي قَوْلِهِ ﷺ: (مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ [يَعْلَمُهُ «٣»] فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ). رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَيُعَارِضُهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةٌ. وَقَالَ ﵇: (حَدِّثِ النَّاسَ بِمَا يَفْهَمُونَ أَتُحِبُّونَ أن