Skip to content

تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن [سورة البقرة (٢): آية ٤٣]

تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن

القرطبي

Printed page ١/ ٣٤٢

والمرأة بطله. وقد بطل الرجل (بِالضَّمِّ) يَبْطُلُ بُطُولَةً وَبَطَالَةً «١» أَيْ صَارَ شُجَاعًا وَبَطَلَ الْأَجِيرُ (بِالْفَتْحِ) بَطَالَةُ أَيْ تَعَطَّلَ فَهُوَ بَطَّالٌ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ" الْحَقَّ بِالْباطِلِ" فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ لَا تَخْلِطُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الْحَقِّ فِي الْكِتَابِ بِالْبَاطِلِ وَهُوَ التَّغْيِيرُ وَالتَّبْدِيلُ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ قَالَتِ الْيَهُودُ مُحَمَّدٌ مَبْعُوثٌ وَلَكِنْ إِلَى غَيْرِنَا فَإِقْرَارُهُمْ بِبَعْثِهِ حَقٌّ وَجَحْدُهُمْ أَنَّهُ بُعِثَ إِلَيْهِمْ بَاطِلٌ وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ الْمُرَادُ بِالْحَقِّ التَّوْرَاةُ وَالْبَاطِلُ مَا بَدَّلُوا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ مُحَمَّدٍ ﵇ وَغَيْرِهِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ لَا تَخْلِطُوا الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ بِالْإِسْلَامِ. وَقَالَهُ قَتَادَةُ وَقَدْ تَقَدَّمَ. قُلْتُ: وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَصْوَبُ لِأَنَّهُ عَامٌّ فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الْأَقْوَالِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى" تَلْبِسُوا" فَيَكُونَ مَجْزُومًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِإِضْمَارِ أَنْ التَّقْدِيرُ لَا يَكُنْ مِنْكُمْ لَبْسُ الْحَقِّ وَكِتْمَانُهُ أَيْ وَأَنْ تَكْتُمُوهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي كِتْمَانَهُمْ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ يَعْرِفُونَهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: نَزَلَ عِصَابَةٌ مِنْ وَلَدِ هَارُونَ يَثْرِبَ لَمَّا أَصَابَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ ظُهُورِ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ وَالذِّلَّةِ وَتِلْكَ الْعِصَابَةُ هُمْ حَمَلَةُ التَّوْرَاةِ يَوْمَئِذٍ فَأَقَامُوا بِيَثْرِبَ يَرْجُونَ أَنْ يَخْرُجَ مُحَمَّدٌ ﷺ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ وَهُمْ مُؤْمِنُونَ مُصَدِّقُونَ بِنُبُوَّتِهِ فَمَضَى أُولَئِكَ الْآبَاءُ وَهُمْ مُؤْمِنُونَ وَخَلَفَ الْأَبْنَاءُ وَأَبْنَاءُ الْأَبْنَاءِ فَأَدْرَكُوا مُحَمَّدًا ﷺ فَكَفَرُوا بِهِ وَهُمْ يَعْرِفُونَهُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى" فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ" «٢» [البقرة: ٨٩]. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ أَنَّ مُحَمَّدًا ﵇ حَقٌّ فَكُفْرُهُمْ كَانَ كُفْرَ عِنَادٍ وَلَمْ يَشْهَدْ تَعَالَى لَهُمْ بِعِلْمٍ وَإِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ كِتْمَانِ مَا عَلِمُوا. وَدَلَّ هَذَا عَلَى تَغْلِيظِ الذَّنْبِ عَلَى مَنْ وَاقَعَهُ عَلَى عِلْمٍ وَأَنَّهُ أَعْصَى مِنَ الْجَاهِلِ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى" أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ" «٣» [البقرة: ٤٤] الآية.

[سورة البقرة (٢): آية ٤٣]

وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)

فيه أربع وثلاثون مسألة: