أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم
ولا يجار عليه كما صرح بذلك في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ في قوله: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨)﴾. والعرب تقول: أنا جار لك وصاحب من فلان؛ أي مجير لك منه. ومنه قول الشاعر:
ينادي بأعلى صوته متعوذًا ... ليُصحَب منَّا والرماح دواني
يعتي ليجار ويغاث منا. وأغلب أقوال العلماء في الآية راجعة إلى ما ذكرنا؛ كقول بعضهم: ﴿يُصْحَبُونَ (٤٣)﴾ يمنعون. وقول بعضهم: ينصرون. وقول بعضهم: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣)﴾ أي لا يصحبهم الله بخير، ولا يجعل الرحمة صاحبًا لهم. والعلم عند الله تعالى.
•
قوله تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَال عَلَيهِمُ الْعُمُرُ﴾
.
الظاهر أن الإضراب بـ ﴿بَلْ﴾ في هذه الآية الكريمة انتقالي، والإشارة في قوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ راجعة إلى المخاطبين من قبل في قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ الآية، وهم كفار قريش، ومن اتخذ آلهة من دون الله. والمعنى: أنه متع هؤلاء الكفار وآباءهم قبلهم بما رزقهم من نعيم الدنيا حتى طالت أعمارهم في رخاء ونعمة، فحملهم ذلك على الطغيان واللجاج في الكفر.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة: من أنه تعالى يمهل الكفار ويملي لهم في النعمة، وأن ذلك يزيدهم كفرًا وضلالًا؛ جاء موضحًا في مواضع كثيرة من كتاب الله تعالى، كقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ