Skip to content

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم فصل في هديه ﷺ في الاعتكاف

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Printed page ٢/ ١٠٧

وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوفُ القلب على الله، وجمعيَّته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق، والاشتغالُ به وحده سبحانه بحيث يصير ذكره وحبُّه والإقبالُ عليه في محلِّ هموم القلب وخَطَراته، فيستولي عليه بدلَها، ويصير الهمُّ كلُّه به، والخطراتُ كلُّها بذكره، والفكر في تحصيل مراضيه وما يقرِّب منه، فيصير أُنسُه بالله بدلًا عن أنسه بالخلق، فيُعِدُّه بذلك لأنسه به يومَ الوحشة في القبور (١) حين لا أنيسَ له ولا ما يفرح به سواه، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم.

ولمَّا كان هذا المقصود إنَّما يتمُّ مع الصَّوم، شُرِع الاعتكاف في أفضل أيَّام الصَّوم، وهو العشر الأخير من رمضان، ولم ينقل عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه اعتكف مفطرًا قطُّ، بل قد قالت عائشة: «لا اعتكافَ إلا بصومٍ» (٢). ولم يذكر الله سبحانه الاعتكاف إلا مع الصَّوم، ولا فعله رسول الله ﷺ إلا مع الصَّوم. فالقول الرَّاجح في الدَّليل الذي عليه جمهور السَّلف: أنَّ الصَّوم شرطٌ في الاعتكاف، وهو الذي كان يرجِّحه شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) قدَّس الله روحَه.

وأمَّا الكلام، فإنَّه شرع للأمَّة حبس اللِّسان عن كلِّ ما لا ينفع في الآخرة.

وأمَّا فضول المنام، فإنَّه شرع لهم من قيام اللَّيل ما هو من أفضل السَّهر