والجواب هنا لا يكون بإطلاق الإيجاب، ولا بإطلاق النفى، بل عندنا مقدّمتان ينبنى عليهما تحرير معنى التردد المراد فى حق الله تعالى:
أ) الأولى:
أصل استعمال هذه الكلمة إنما يكون لمن نازعها أمران يريد فعل واحد منهما، ولكنه لجهله بعاقبة هذا الاختيار فقد صار متردداً بينهما.
ب) الثانية:
أن التردد على المعنى المذكور فى المقدمة الأولى مما يُنزه الله - تعالى- عنه؛ فإن علم الله -عزوجل - مما وسع كل شيء، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾
فينبني على هاتين المقدمتين أن التردد الواقع فى حق الله - تعالى- ليس من جنس التردد الذى يقع للبشر، والذى منشؤه عندهم من الجهل بعواقب الأمور، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)) (الشورى /١١)، وإنما التردد المراد قد بيَّنه سياق حديث الباب، (يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ..)، يكون بين أمرين:
الأول:
" انفاذ ما قدِّر من موت المؤمن، ولا شك أنه قضاء نافذ لا محالة، قال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) "
الثانى:
" كراهية ما يحصل من مساءة المؤمن بتقدير الموت عليه ".
فصار الأمر محبوباً من جهة ومبغوضاً من جهة، محبوب من جهة أنه يؤدي إلى ما هو خير؛ فبالموت ينتقل المؤمن إلى ما هو خير له، ومكروه من جهة أن العبد يكره ذلك. (١)