مقاصد الشريعة الإسلامية
الرابع: حديث أنس ﵁
-، قال رسول الله ﷺ للأنصار: "إنكم سترون بعدي أَثَرَةً وأموراً تنكرونها". وقال عبد الله بن زيد: قال النبي ﷺ: "اصبروا حتى تلقوني على الحوض" (١).
اشتمل هذا الباب على ستة أحاديث، هذا أقصرها، وتعدّدت محامله بالنظر إلى طرفيه أوله وآخره. ومورده، كما يدل عليه عنوان الباب، أن الأنصار رضوا على أن أعطى رسول الله رجالاً من قريش من فيء هوازن، غير أن فريقاً من حدثانهم كرهوا ذلك، ثم تبيّنوا الحق فآبُوا إلى الله ورسوله ورضوا بما فعله. وهذا الذي أعطاه الرسول ﷺ تألفاً لقريش كان من قسمه الخاص به، وهو خُمس الخُمس، كما يرى ذلك الإمامان مالك والشافعي.
ولو كان من أصل الغنيمة لاستأذن الرسول المسلمين فيما هو من ملكهم، وراجع السهم. ونفل رسول الله ﷺ رؤساء القبائل والعشائر جائز، لما فيه من تقوية الإسلام وشوكته وأهله، وما فعله من ذلك لم يكن عبثاً ولا قدّره سدى بل هو عينُ المصلحة والحكمة والعدل والرحمة. وهذه الأثرة الأولى التي رضيها الأنصار غير طامعين من ورائها في شيء، ولكنه الإخلاص لله ورسوله ودينه، فاقتضت من الرسول أن يُوصيهم بالصبر على الدوام فيما يقضيه الله ورسوله.
وقد اختُلف في الأثرة الثانية على أقوال، أظهرها أنها الخلافة آثر بها قريشاً، ووردت بذلك السنة، وادَّعاها كبار الصحابة يوم السقيفة، فلم يتردَّدوا في ذلك لكونها حقاً وليست من الباطل. فالصبر على ذلك صبر واجب، له دخل في الوفاء للدين والإخلاص لله ولرسوله.