Skip to content

مجلة البيان منهج أهل السنة في تعظيم النبي

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Printed page ١٣٩/ ٤٤

ملفات

منهج أهل السنة في تعظيم النبي

ﷺ

عبد اللطيف بن محمد الحسن

لربنا ﵎ أرفع القدر وأعظم الشأن؛ فله العظمة الكاملة التي

تتجلى في ذاته وصفاته وأفعاله، في خلقه وأمره، في الآفاق والأنفس، أنَّى نظرت

في خلقه رأيت ما يبهر العقول ويزيد الإيمان، ومهما تلوت من آي كتابه العظيم

وقفت على دلائل عظمته، وأدلة قَدْره سبحانه.

خضعت لعظمة ربي ﷿ المخلوقات، وذلت لجبروته الأرض

والسماوات، واشتد نكيره - تعالى - على من أخل بتعظيمه، فقال - سبحانه -:

[ومَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ والسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ

بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ] [الزمر: ٦٧] .

فحقٌ على من عرف قدر الله وأراد تعظيمه أن يعظم ما عظمه - تعالى -

قياماً بحقه من التوحيد والعبادة، وقياماً بحق كتابه وحق رسوله -صلى الله عليه

وسلم-.

وغير خاف على مسلم صادق في إسلامه تلك المنزلة الرفيعة التي حباها ربنا- تعالى - لصفوة خلقه، وخاتم أنبيائه ورسله حبيبنا محمد ﷺ

فإلى شيء من جوانب تلك العظمة، وهدي السابقين والتابعين لهم بإحسان في

تعظيمه ﷺ ... ذلك الحديث الذي تنشرح له صدور المؤمنين

الصادقين، وتتطلع إليه نفوسهم، ويتمنون أن لو اكتحلت أعينهم برؤية حبيبهم -

ﷺ،؛ وتشنفت آذانهم بسماع صوته.

المراد بالتعظيم:

قال الله - تعالى -: [إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً ومُبَشِّراً ونَذِيراً * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ

ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأَصِيلاً] [الفتح: ٨، ٩] .

فذكر - تعالى -: حقاً مشتركاً بينه وبين رسوله ﷺ وهو

الإيمان، وحقاً خاصاً به - تعالى - وهو التسبيح، وحقاً خاصاً بنبيه -صلى الله

عليه وسلم- وهو التعزير والتوقير.

وحاصل ما قيل في معناهما أن: (التعزير اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من

كل ما يؤذيه. والتوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال

والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه

عن حد الوقار) [١] .

وهذه المعاني هي المراد بلفظ التعظيم عند إطلاقه، فإن معناه في اللغة:

التبجيل، يقال: لفلان عظمة عند الناس: أي حرمة يعظم لها [٢] ، ولفظ التعظيم

وإن لم يرد في النصوص الشرعية، إلا أنه استعمل لتقريب المعنى إلى ذهن السامع

بلفظ يؤدي المعنى المراد من (التعزير والتوقير) [٣] .

والتعظيم أعلى منزلة من المحبة، لأن المحبوب لا يلزم أن يكون معظماً،

كالولد يحبه والده محبة تدعوه إلى تكريمه دون تعظيمه، بخلاف محبة الولد لأبيه،

فإنها تدعوه إلى تعظيمه. والرجل يعظم لما يتمتع به من الصفات العلية، ولما

يحصل من الخير بسببه، أما المحبة فلا تحصل إلا بوصول خير من المحبوب إلى

من يحبه [٤] .

مع المصطفى ﷺ سيرة وخُلقاً:

لقد حبا الله ﵎ نبينا محمداً ﷺ من

الخصائص القوية والصفات العلية والأخلاق الرضية ما كان داعياً لكل مسلم أن

يجله ويعظمه بقلبه ولسانه وجوارحه.

وقد كان لأهل السنة والجماعة قدم صدق في العناية بجمع خصائصه، وإبراز

فضائله والإشادة بمحاسنه، فلم يخل كتاب من كتب السنة كالصحاح والسنن وغيرها

من كتب مخصصة لم يخل من ذكر مآثره، كما أُفردت كتب مستقلة للحديث عنه

وعن سيرته [٥] .

وقد اختار الله ﷿ لنبيه ﷺ اسم (محمد)

المشتمل على الحمد والثناء؛ فهو ﷺ محمود عند الله - تعالى- ومحمود عند ملائكته، ومحمود عند إخوانه المرسلين - عليهم الصلاة والسلام- ومحمود عند أهل الأرض كلهم، وإن كفر به بعضهم؛ لأن صفاته محمودة عند

كل ذي عقل وإن كابر وجحد؛ فصدق عليه وصفه نفسه حين قال: (أنا سيد ولد

آدم يوم القيامة، ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، بيدي لواء

الحمد، تحته آدم فمن دونه) [٦] .

وقد أغاث الله - تعالى - به البشرية المتخبطة في ظلمات الشرك والجهل

والخرافة، فكشف به الظلمة، وأذهب الغمة، وأصلح الأمة، وصار (هو الإمام

المطلق في الهدى لأول بني آدم وآخرهم) [٧] ، فهدى الله به من الضلالة، وعلم به

من الجهالة، وأرشد به من الغواية، وفتح به أعينا عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، وكثَّر به بعد القلة، وأعزَّ به بعد الذلة، وأغنى به بعد العيلة [٨] .

عرّف الناسَ ربَّهم ومعبودهم غاية ما يمكن أن تناله قواهم من المعرفة، ولم

يدع لأمته حاجة في هذا التعريف، لا إلى من قبله، ولا إلى من بعده، بل كفاهم،

وشفاهم، وأغناهم عن كل من تكلم في هذا الباب: [أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ

الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ] [العنكبوت: ٥١] ،

وعرفهم الطريق الموصلة إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته، ولم يدع -صلى الله

عليه وسلم- حسناً إلا أمر به، ولا قبيحاً إلا نهى عنه.

وعرفهم حالهم بعد القدوم على ربهم أتم تعريف، فكشف الأمر وأوضحه، ولم

يدع باباً من العلم النافع للعباد المقرب لهم إلى ربهم إلا فتحه، ولا مشكلاً إلا بينه

وشرحه، حتى هدى به القلوب من ضلالها، وشفاها به من أسقامها، وأغاثها به

من جهلها، فأي بشر أحق بأن يُحب؟ جزاه الله عن أمته أفضل الجزاء.

وقد وصف النبيَّ ﷺ عدد من أزواجه وأصحابه كخديجة

وعائشة، وأنس، وابن عباس، وعلي، وابن عمر وغيرهم ﵃ ولما كان المقصود الإشارة إلى ذلك دون الاستقصاء آثرت نقل كلام ابن القيم

الجامع لأوصافه، تحاشياَ للإطالة وكثرة التخاريج. قال ابن القيم: (ومما يحمد

عليه ﷺ ما جبله الله عليه من مكارم الأخلاق وكرائم الشيم،

فإن من نظر في أخلاقه وشيمه ﷺ علم أنها خير أخلاق الخلق، وأكرم شمائل الخلق، فإنه ﷺ كان أعظم الخلق، وأعظمهم

أمانة، وأصدقهم حديثاً، وأجودهم وأسخاهم، وأشدهم احتمالاً، وأعظمهم عفواً

ومغفرة، وكان لا يزيد شدة الجهل عليه إلا حلماً، كما روى البخاري في صحيحه

[ح/١٢١٢٥] عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال في صفة رسول

الله ﷺ في التوراة: (محمد عبدي ورسولي سميته المتوكل،

ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخَّاب بالأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو

ويصفح، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، وأفتح

به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً.) وأرحم الخلق وأرأفهم بهم، وأعظم

الخلق نفعاً لهم في دينهم ودنياهم، وأفصح خلق الله وأحسنهم تعبداً عن المعاني

الكثيرة بالألفاظ الوجيزة الدالة على المراد، وأصبرهم في مواطن الصبر،

وأصدقهم في مواطن اللقاء، وأوفاهم بالعهد والذمة، وأعظمهم مكافأة على الجميل

بأضعافه، وأشدهم تواضعاً، وأعظمهم إيثاراً على نفسه، وأشد الخلق ذبَّاً عن

أصحابه، وحماية لهم، ودفاعاً عنهم، وأقوم الخلق بما يأمر به، وأتركهم لما ينهى

عنه، وأوصل الخلق لرحمه، فهو أحق بقول القائل:

بَرْدٌ على الأدنى ومرحمةٌ ... وعلى الأعادي مارنٌ جَلْدُ [٩]

بواعث تعظيم النبي ﷺ:

يدعو المسلم إلى ذلك أمور عدة، منها:

١- تعظيم العظيم ﷾، لأنه عظم نبيه -صلى الله عليه

وسلم-؛ حيث أقسم بحياته في قوله: [لَعَمْرُكَ إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ]

[الحجر: ٧٢] [١٠] .

كما أثنى عليه فقال: [وإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ] [القلم: ٤] ، وقال:

[ورَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ] [الشرح: ٤] ، فلا يُذكر بشر في الدنيا ويثنى عليه كما يُذكر

النبي ﷺ ويثنى عليه.

٢- أن من شرط إيمان العبد أن يعظم النبي ﷺ، وهذا

هو الغرض من بعثته ﷺ. قال - تعالى -: [إنَّا أَرْسَلْنَاكَ

شَاهِداً ومُبَشِّراً ونَذِيراً * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً

وأَصِيلاً] [الفتح: ٨، ٩] ، قال ابن القيم: (وكل محبة وتعظيم للبشر فإنما تجوز

تبعاً لمحبة الله وتعظيمه، كمحبة رسول الله ﷺ وتعظيمه،

فإنها من تمام محبة مرسله وتعظيمه، فإن أمته يحبونه لمحبة الله له، ويعظمونه

ويجلونه لإجلال الله له؛ فهي محبة لله من موجبات محبة الله، وكذلك محبة أهل

العلم والإيمان ومحبة الصحابة ﵃ وإجلالهم تابع لمحبة الله

ورسوله ﷺ) [١١] .

بل الأمر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن قيام المدحة والثناء عليه

والتعظيم والتوقير له قيام الدين كله، وسقوط ذلك سقوط الدين كله) [١٢] .

٣- ما ميزه الله - تعالى - به - مما سبق ذكره - من شرف النسب، وكرم

الحسب، وصفاء النشأة، وأكمل الصفات والأخلاق والأفعال.

٤- ما تحمله ﷺ من مشاق نشر الدعوة، وأذى

المشركين بالقول والفعل حتى أتم الله به الدين وأكمل به النعمة [١٣] .

مع الصحابة في تعظيمهم للنبي ﷺ وتوقيرهم له في حياته:

نال الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - شرف لقاء النبي -صلى الله

عليه وسلم-، فكان لهم النصيب الأوفى من توقيره وتعظيمه مما سبقوا به غيرهم،

ولم، ولن يدركهم من بعدهم، ثم شاركوا الأمة في تعظيمه بعد موته -صلى الله

عليه وسلم-[١٤] . كان شأنهم في توقيره أوضح وأظهر من أن يستدل عليه،

وأجمل من وصف شأنهم في ذلك عروة ابن مسعود الثقفي ﵁ حين

فاوض النبي ﷺ في صلح الحديبية، فلما رجع إلى قريش قال: (أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي،

والله إن [١٥] رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله

إن تنخمَّ نخامةً إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم

ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم

عنده، وما يحدُّون النظر إليه تعظيما له) [١٦] .!

وقد وُصف الصحابة حال جلوسهم واستماعهم للنبي ﷺ

بوصف عجيب جاء في أحاديث عدة، منها قول أبي سعيد الخدري:) وسكت

الناس كأن على رؤوسهم الطير [١٧] .

وقال عمرو بن العاص ﵁: (وما كان أحد أحب إلي من

رسول الله ﷺ ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ

عيني منه إجلالاً له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني

منه) [١٨] .

ولما زار أبو سفيان ابنته أم حبيبة ﵂ في المدينة، ودخل

عليها بيتها، ذهب ليجلس على فراش رسول الله؛ فطوته، فقال: يا بنية! ما

أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أو رغبت به عني؟ فقالت: (هو فراش رسول

الله ﷺ، وأنت مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على

فراشه) [١٩] .

ومن شدة حرص الصحابة على إكرامه وتجنب إيذائه قول أنس بن مالك:

(إن أبواب النبي ﷺ كانت تقرع بالأظافير) [٢٠] .

ولما نزل قول الله - تعالى -: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ

صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وأَنتُمْ لا

تَشْعُرُونَ] [الحجرات: ٢] ، قال ابن الزبير: (فما كان عمر يُسمِع النبي -صلى

الله عليه وسلم- بعد هذه الآية حتى يستفهمه) ، وكان ثابت بن قيس جهوري

الصوت يرفع صوته عند النبي ﷺ فجلس في بيته منكساً رأسه

يرى أنه من أهل النار بسبب ذلك، حتى بشره النبي ﷺ

بالجنة [٢١] .

وللمحدثين نصيب:

للمحدثين ﵏ ورضي عنهم - منهج رصين ورصيد ثري وإسهام

قوي في إجلال حديث رسول الله ﷺ، وتوقير مجلس الحديث، والتحفز لاستباق العمل به، تعظيماً له وهذه بعض الشواهد: حدث عمرو بن

ميمون عن عبد الله بن مسعود ﵁ فكان مما قال: وما سمعته قط

يقول: قال رسول الله ﷺ إلا مرة، فنظرت إليه وقد حل إزاره

وانتفخت أوداجه، واغرورقت عيناه، فقال: (أو نحو ذلك أو دون، أو قريباً من

ذلك، أو شبه ذلك) [٢٢] .

وجعفر بن محمد، ومالك بن أنس، والأعمش، بل قد صار ذلك مستحباً

عندهم، وكرهوا خلافه.

قال ضرار بن مرة: (كانوا يكرهون أن يحدثوا عن رسول الله -صلى الله

عليه وسلم- وهم على غير وضوء) .

قال إسحاق: فرأيت الأعمش إذا أراد أن يتحدث وهو على غير وضوء

تيمم [٢٣] .

وكان مالك يلبس أحسن ثيابه ويتطيب ويأخذ زينته للتحديث بحديث رسول

الله ﷺ[٢٤] .

وقال ابن أبي الزناد: كان سعيد بن المسيب - وهو مريض - يقول:

(أقعدوني؛ فإني أكره أن أحدث حديث رسول الله ﷺ وأنا

مضطجع) [٢٥] .

ومرّ مالك بن أنس على أبي خازم - وهو يحدث - فجازه، وقال: (إني لم

أجد موضعاً أجلس فيه، فكرهت أن آخذ حديث رسول الله ﷺ

وأنا قائم) [٢٦] .

وكان محمد بن سيرين يتحدث فيضحك، فإذا جاء الحديث خشع [٢٧] .

وقال سعيد بن عامر: (كنا عند هشام الدستوائي فضحك رجل منا فقال له

هشام الدستوائي: تضحك وأنت تطلب الحديث؟ !) [٢٨] ..

كيف نعظم النبي ﷺ؟

إن الأمر بتوقير النبي ﷺ وتعظيمه يعني أن ذلك عبادة لله ﷿ وقربة إليه - سبحانه - والعبادة التي أرادها الله - تعالى -

ويرضاها من العبد هي ما ابتغي به وجهه، وكان على الصفة التي شرعها في كتابه

العظيم وعلى لسان نبيه الكريم ﷺ.

فأما الإخلاص في الأعمال وابتغاء وجه الله فيها فهو مقتضى شهادة أن لا إله

إلا الله؛ لأن معناها لا معبود بحق إلا الله ﷾.

وأما متابعة النبي ﷺ فهي مقتضى الشهادة بأن محمداً

رسول الله، ولازم من لوازمها؛ إذ معنى الشهادة له بأنه رسول الله حقاً: (طاعته

فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا

بما شرع) [٢٩] .

وهذا كمال التعظيم، وغاية التوقير. وأي تعظيم أو توقير للنبي -صلى الله

عليه وسلم- لدى من شك في خبره، أو استنكف عن طاعته، أو ارتكب مخالفته،

أو ابتدع في دينه وعبد الله من غير طريقه؟ !

ولذا اشتد نكير الله - تعالى - على من سلكوا في العبادة سبيلاً لم يشرعها،

فقال: [أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاًذَنْ بِهِ اللَّهُ] [الشورى: ٢١] . وقال ﷺ: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) [٣٠] ،

أي مردود عليه.

ثم العبادة محلها القلب واللسان والجوارح:

ويتحقق تعظيم النبي ﷺ بالقلب بتقديم محبته على النفس

والوالد والولد والناس أجمعين؛ إذ لا يتم الإيمان إلا بذلك [٣١] ، ثم إنه لا توقير

ولا تعظيم بلا محبة. وإنما يزرع هذه المحبة معرفته لقدره ومحاسنه -صلى الله

عليه وسلم-[٣٢] .

وإذا استقرت تلك المحبة الصادقة في القلب كان لها لوازم هي في حقيقتها

مظاهر للتعظيم ودلائل عليه، ومن صور ذلك التعظيم:

الثناء عليه ﷺ بما هو أهله، وأبلغ ذلك ما أثنى عليه

ربه ﷿ به، وما أثنى هو على نفسه به، وأفضل ذلك:

الصلاة والسلام عليه؛ لأمر الله ﷿ وتوكيده: [إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ

يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيماً] [الأحزاب: ٥٦] ، وهذا إخبار من الله تعالى: (بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني

عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر - تعالى - أهل

العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي

والسفلي جميعا) [٣٣] ، وصلاة المؤمنين عليه هي الدعاء طلباً للمزيد من الثناء

عليه [٣٤] .

والصلاة عليه مشروعة في عبادات كثيرة كالتشهد والخطبة وصلاة الجنازة

وبعد الأذان وعند الدعاء وغيرها من المواطن [٣٥] .

وأفضل صيغها: ما علمه النبي ﷺ لأصحابه حين قالوا:

أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة؟ قال: (قولوا: اللهم صل على

محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم

بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد

مجيد) [٣٦] .

وغير خاف عليك ما في الصلاة عليه من الفوائد والثمرات من كونها سبباً

لحصول الحسنات، ومحو السيئات، وإجابة الدعوات، وحصول الشفاعة، وصلاة

الله على العبد، ودوام محبة النبي ﷺ وزيادتها، والنجاة من

البخل [٣٧] .

ومن تعظيمه: التأدب عند ذ كره ﷺ بأن لا يذكر باسمه

مجرداً، بل يوصف بالنبوة أو الرسالة، وهذا كما كان أدباً للصحابة - رضي الله

عنهم - في ندائه فهو أدب لهم ولغيرهم عند ذكره، فلا يقل: محمد، ولكن: نبي

الله، أو الرسول، ونحو ذلك.

وهذه خصيصة له في خطاب الله في كتابه الكريم دون إخوانه من الأنبياء -

عليهم الصلاة والسلام - فلم يخاطبه - تعالى - قط باسمه مجرداً، وحين قال:

[مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ] [الأحزاب: ٤٠] قال بعدها: [ولَكِن رَّسُولَ ...

اللَّهِ وخَاتَمَ النَّبِيِّينَ] .

يجيء التوجيه إلى هذا الأدب في قوله - تعالى -: [لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ

الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضاً] [النور: ٦٣] [٣٨] .

ومنه: الإكثار من ذكره، والتشوق لرؤيته، و) تعداد فضائله وخصائصه

ومعجزاته ودلائل نبوته، وتعريف الناس بسنته وتعليمهم إياها، وتذكيرهم بمكانته

ومنزلته وحقوقه، وذكر صفاته وأخلاقه وخلاله، وما كان من أمور دعوته وسيرته

وغزواته، والتمدح بذلك شعراً ونثراً [٣٩] . وأسعد الناس حظاً بذلك: المحدثون

والمشتغلون بسنة النبي ﷺ.

والشرط في ذلك: كونه في حدود المشروع، وسطاً بين الجفاء وبين الغلو

والإطراء.

استشعار هيبته ﷺ (ولجلالة قدره وعظيم شأنه،

واستحضاره لمحاسنه ومكانته ومنزلته، والمعاني الجالبة لحبه وإجلاله وكل ما من

شأنه أن يجعل القلب ذاكراً لحقه من التوقير والتعزير، ومعترفاً به ومذعناً له،

فالقلب ملك الأعضاء، وهي جند له وتبع، فمتى ما كان تعظيم النبي -صلى الله

عليه وسلم- مستقراً في القلب مسطوراً فيه على تعاقب الأحوال فإن آثار ذلك

ستظهر على الجوارح حتماً لا محالة. وحينئذ سترى اللسان يجري بمدحه والثناء

عليه وذكر محاسنه، وترى باقي الجوارح ممتثلة لما جاء به ومتبعة لشرعه وأوامره، ومؤدية لماله من الحق والتكريم) [٤٠] .

وبرهان التعظيم الصادق هو تعظيم ما جاء به النبي ﷺ

من الشريعة المتضمنة في الكتاب والسنة كما فهمها سلف الأمة، وذلك باتباعها

والتزامها قلباً وقالباً، وتحكيمها في كل مناحي الحياة وشؤونها الخاصة والعامة؛

ومحال أن يتم الإيمان بدون ذلك: [ويَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى

فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ ومَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ] [النور: ٤٧] ..

فإن هذا هو مقتضى التعظيم الحقيقي والتوقير الصادق؛ إذ العبرة بالحقائق لا

بالمظاهر والأشكال الجوفاء، ولذا قدم الله ﷿ هذا الأدب العظيم على

سائر الآداب الواجبة مع النبي ﷺ، فنهى عن التقدم بين يديه

بأمر دون أمره أو قول دون قوله، بل يكونون تبعاً لأمره منقادين له مجتنبين نهيه،

فقال في أول سورة الحجرات: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ

ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] [الحجرات: ١] .

ومن التقدم بين يديه: تقديم القوانين والتشريعات البشرية على شريعته، أو

تفضيل حكم غيره على حكمه أو مساواته به، أو التزام منهج مخالف لهديه وسنته:

[فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً

مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] [النساء: ٦٥] [٤١] .

وأسعد الناس حظاً بسنته وأقربهم إلى الشرب من حوضه: أهل السنة

والجماعة، فهم من أحيوا سنته واتبعوا شريعته وهديه.

ومن توقيره وتعظيمه ﷺ توقيره في آله، ومنهم أهل

بيته ﵃ أجمعين [٤٢] ورعاية وصيته بهم بمعرفة فضلهم ومنزلتهم

وشرفهم بقربهم من النبي ﷺ زيادة على إيمانهم، وبحفظ

حقوقهم والقيام بها، فهم أشرف آل على وجه الأرض، وأزواجه أمهات المؤمنين

الطاهرات، قال الله - تعالى -: [إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ

ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً] [الأحزاب: ٣٣] ، وقد أوجب الله الصلاة عليهم تبعاً للصلاة

على النبي ﷺ في التشهد في الصلاة.

ومنه: توقيره في سائر صحبه ﵃ جميعاً [٤٣] فإنهم خيرة

الناس بعد الأنبياء، وخيرة الله لصحبة نبيه، وهم حماة المصطفى -صلى الله عليه

وسلم- والأمناء على دينه وسنته وأمته، وذلك بمعرفة فضلهم، ورعاية حقوقهم،

فإن الطعن فيهم أو تنقُّصهم عنوان الزندقة.

ومنه: الأدب في مسجده، وكذا عند قبره، وترك اللغط ورفع الصوت،

ولذا أنكر عمر ﵁ على من رفع صوته فيه. فقال للرجلين:

(ترفعان أصواتكما في مسجد النبي ﷺ؟ ! لو كنتما من أهل

المدينة لأوجعتكما ضرباً) [٤٤] .

ومن تعظيمه: حفظ حرمة بلده المدينة النبوية؛ فإنها مهاجره، ودار نصرته، وبلد أنصاره، ومحل إقامة دينه، ومدفنه، وفيها مسجده خير المساجد بعد المسجد

الحرام.

(والمقصود من تعظيم المدينة هو تعظيم حرمها، وهذا أمر واجب في حق

من سكن بها أو دخل فيها، مع ما يجب على ساكنيها من مراعاة حق المجاورة

وحسن التأدب فيها، وذلك لما لها من المنزلة والمكانة عند الله وعند رسوله -صلى

الله عليه وسلم-) [٤٥] فيتأكد فيها العمل الصالح وتعظم فيها السيئة؛ لشرف

المكان.

صور من البخس:

بعد هذه الجولة الماتعة مع حق عظيم للنبي ﷺ فإنه لا

يسوغ أبداً لمنتسب إلى السنة أن يجفو في حق نبيه ﷺ فيخل

بما يجب له من الإجلال والتوقير والتعظيم. ومن صور الإخلال: التقصير في

معرفته أو معرفة سيرته وهديه أو فهم سنته أو الإخلال في تطبيقها غلواً أو جفاء.

ومنها: إساءة العمل والتقصير في الصالحات، وخاصة ممن ينتسب لآل بيته الكرام.

ومن العجيب مع تأكد هذا الحق العظيم أن يقع التعرض بسوء للمؤمنين

الصادقين من آل البيت! وأعجب منه سب صحابته والنيل من أزواجه الطاهرات!

وأكبر منها الإساءة إلى ذات النبي ﷺ، والجرأة على نقده ولمز

شريعته في ديار المسلمين! !

ثم أين هو من دين النبي ﷺ من يستبدل شريعته بقوانين

البشر، أو يهزأ من هديه، أو يتعالى على سنته؟ !

وبعد: يا أمة محمد ﷺ!

هل عظَّم نبيكم وحبيبكم ﷺ من حلف به مع أنه -صلى

الله عليه وسلم- يقول: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) [٤٦] ، ويقول:

(من حلف بغير الله فقد أشرك) [٤٧] ؟ !

وهل عظَّمه من توسل بذاته مع أن الصحابة توسلوا بدعائه لا بذاته، كما في

حديث عمر حين طلب من العباس الدعاء والاستسقاء [٤٨] والنبي -صلى الله عليه

وسلم- عندهم في قبره؟ !

وهل عظَّمه من توجه إليه طالباً منه الشفاعة مع أن الله ﷿ بين

للأمة أن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه - تعالى - ورضاه، وأمر من أراد الشفاعة

بطلبها بطاعته؟ !

وهل عظمه من استغاث به مع أنه بشر لا يملك من أمره شيئا؟ !

أليس هذا تنكراً لمحبته وتعدياً لشرعه وعصياناً لأمره؟ حيث قال: (لا

تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله

ورسوله) [٤٩] ؟ !

وهل من تعظيمه الابتداع في دينه، والزيادة في شريعته من التمسح بحجرته

أو الاحتفال بمولده بعد اتفاقنا على نصحه لأمته ودلالتها على كل حسن؟ !

فأي حسن في عمل احتفالات ساعات أو أيام ثم التقصير والإهمال في سائر

العام؟ !

وأي حسن في الاحتفال بزمن توفي فيه المصطفى ﷺ؟ !

وأي حسن في مشابهة دين النصارى المفتونين بالاحتفالات؟ !

وأي حسن في التعدي على فقه الفاروق حين أرَّخ بهجرة المصطفى -صلى

الله عليه وسلم- رمز انتصار دينه، ولم يؤرخ بمولده ووفاته، تقديماً للحقائق

والمعاني على الطقوس والأشكال؟ !

وأي حسن في تجديد دين الدولة العبيدية الباطنية الحاقدة التي ابتدعت ذلك

الاحتفال؟ !

وأي حسن في عمل لم يشرعه الحبيب ﷺ، ولم يفعله

أنصاره وحماة دينه وحملة رسالته ﵃؟ أليسوا أصدق الناس حباً

له؟ !

أليس فقه الراشدين وفهمهم وسنتهم مما أوصاكم به نبيكم -صلى الله عليه

وسلم- قائلا: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا

عليها بالنواجذ [٥٠] ؟ !

أليس فعل المولد مخالفة لأمره:) وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة

بدعة، وكل بدعة ضلالة) ؟ !

فأي تعظيم للنبي ﷺ في هذه الموالد التي صارت ركباً

للمدعين، وحجة للبطالين؟ !

ألا ترون المولد - بعد هذا - تقصيراً في حق حبيبنا ﷺ

وظلماً له؟ !

اللهم اجعلنا من المعظمين رسولنا ﷺ حق التعظيم

المتبعين شرعه، وتوفنا على سنته.. آمين.