Skip to content

جامع المسانيد لابن الجوزي (٤٧٩) مسند كعب بن مالك ابن أبي كعب الأنصاري

جامع المسانيد لابن الجوزي

ابن الجوزي

Printed page ٦/ ٤٧٨

عليّ ذلك من هَجْر المسلمين، مَشَيتُ حتى تَسَوَّرْتُ حائطَ أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحبُّ النّاس إليّ، فسلَّمْتُ عليه، فواللَّه ما ردَّ عليّ السلام، فقلتُ له: يا أبا قتادة، أنشدُك اللَّهَ، هل تعلم أنّي أُحِبُّ اللَّهَ ورسوله؟ قال: فسكت. قال: فعُدْتُ فَنَشَدْتُه فسكت، فعُدْتُ فنشدْتُه، فقال: اللَّه ورسولهُ أعلم. ففاضت عيناي. وتولَّيْتُ حتى تسوَّرْتُ الجدار.

فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نَبَطِيٌّ من أنباطِ أهل الشام ممّن قَدِم بطعام يبيعُه بالمدينة يقول: من يَدُلُّ على كعب بن مالك؟ قال: فطفِقَ الناسُ يشيرون له إليَّ، حتى جاء فدفع إليَّ كتابًا من ملك غسّان، وكنتُ كاتبًا، فإذا فيه: أما بعد، فقد بلَغَنا أنّ صاحبك قد جفاك، ولم يجعَلْك اللَّهُ بدار هَوان ولا مَضْيَعة، فالْحَقْ بنا نواسِك. قال: فقلتُ حين قرأتُها: وهذا أيضًا من البلاء. قال: فتيمَّمْتُ بها التَّنُّورَ، فَسَجَرْتُه بها.

حتى إذا مَضَتْ أربعون ليلة من الخمسين، إذا برسول رسول اللَّه ﷺ يأتيني، فقال: إنّ رسول اللَّه ﷺ يأمُرُكَ أن تعتزلَ امرأتَك. قال: فقلتُ: أُطَلِّقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتَزِلْها فلا تَقْرَبْها، قال: وأرسلَ إلى صاحبيَّ بمثل ذلك، قال: قلتُ لامرأتي: الحَقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضيَ اللَّه في هذا الأمر. قال: فجاءت امرأةُ هلال بن أميّة رسولَ اللَّه ﷺ فقالت له: يا رسول اللَّه ﷺ إنّ هلالًا شيخٌ ضائع ليس له خادم، فهل تكرهُ أن أخدِمَه؟ قال: "لا، ولكن لا يَقْرَبَنَّكِ" قالت: فإنّه واللَّه ما به حركة إلى شيء، واللَّه ما زال يبكي من لدن أن كان من أمرك ما كان إلى يومه هذا. قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنْتَ رسولَ اللَّه ﷺ في امرأتك، فقد أذِنَ لامرأة هلال بن أميّة أن تخدِمَه. قال: فقلتُ: واللَّه لا أستأذن فيها رسول اللَّه ﷺ، وما أدري ما يقول رسول اللَّه ﷺ إذا استأذَنْتُه وأنا رجل شابٌّ. فَلَبِثْنا بعد ذلك عشر ليالٍ، فكمل لنا خمسون ليلة، حين نُهِي عن كلامنا.

قال: ثم صلَّيْتُ صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أن جالس على الحال التي ذكر اللَّه ﵎ منّا، قد ضاقَت عليّ نفسي، وضاقَتْ عليّ الأرضُ بما رَحُبَت، سَمِعْتُ صارخًا أوفى على جبل سَلْع يقول بأعلى صوته: يا كعبَ بن مالك، أَبْشِر. قال: فَخَرَرْتُ ساجدًا، وعَرَفْتُ أن قد جاء فَرَجٌ، وآذَنَ رسولُ اللَّه ﷺ بتوبة اللَّه ﵎ علينا حين صلّى صلاة الفجر، فذهب الناسُ يبشِّروننا، وذهب قِبَلَ