فتح الباري لابن رجب
ولكن قَدْ روي هَذَا المعنى متصلاً من وجوه أخر، كلها لا تخلو عَن علة، وقد سبق ذكرها والإشارة تعليلها.
ومراد البخاري بهذا الباب: أن أَبَا بَكْر صلى مؤتما بالنبي ﷺ، وَهُوَ قائم إلى جانبه بإشارة النَّبِيّ ﷺ إليه فِي ذَلِكَ، ولم يتركه يتأخر إلى الصف، وكان ذَلِكَ لعلة، وهي أن النَّبِيّ ﷺ كَانَ يصلي بالناس جالساً، والناس قيام وراءه، فكان قيام أَبِي بَكْر إلى جانبه، لإسماع النَّاس تكبير النَّبِيّ ﷺ، ورؤية النَّاس لَهُ؛ ليتمكنوا من كمال الاقتداء بالنبي ﷺ حيث لَمْ يمكنه القيام، ولولا هذه العلة لكانت السنة لأبي بَكْر أن يقوم فِي الصف وراء النَّبِيّ ﷺ.
وقد ذكر هَذَا المعنى طائفة من الشافعية.
ونقله الوليد بْن مُسْلِم عَن مَالِك، أَنَّهُ أجاز للمريض أن يصلي بالناس جالساً وهم قيام. قَالَ: وأحب إلي أن يقوم إلى جنبه من يعلم النَّاس بصلاته.
وهي رِوَايَة غريبة عَن مَالِك، ومذهبه عِنْدَ أصحابه: أَنَّهُ لا يجوز ائتمام القائم بالجالس.
وهذا كله عَلَى قَوْلِ من قَالَ: إن أَبَا بَكْر كَانَ مأموماً، فأما من قَالَ هُوَ الإمام فلا إشكال عنده فِي قيام أَبِي بَكْر إلى جانب النَّبِيّ ﷺ، وإنما أشكل عنده جلوس النَّبِيّ ﷺ إلى جنب أَبِي بَكْر، وقد يجاب عَنْهُ بأنه يحتمل أن يكون ذَلِكَ لضيق الصف. والله أعلم.