الخطاب القرآني لأهل الكتاب وموقفهم منه قديما وحديثا
٣ - أنه يصد عن تعظيم الله ﷾؛ لأن النفس إما أن تنشغل بالباطل أو بالحق، فإذا انشغلت بالغلو بهذا المخلوق وإطرائه وتعظيمه تعلقت به ونسيت ما يجب لله تعالى من حقوق.
٤ - أن المغلو فيه إن كان موجوداً؛ فإنه قد يزهو بنفسه ويتعاظم ويعجب بها، وهذه مفسدة تفسد المغلو فيه إن كانت مدحاً، وتوجب العداوة والبغضاء وقيام الحروب والبلاء بين هذا وهذا إن كانت قدحاً (١).
وقد حصل مثل هذا الغلو بين كثير من الطوائف النصرانية في العصور الوسطى (٢).
وهذه المفاسد كلها وأكثر منها قد وقع فيها أهل الكتاب قديماً؛ فالنصارى أنزلوا المسيح ابن مريم وأمه ﵉ فوق منزلتهما, وغالوا فيهما حتى عبدوهما واتخذوهما آلهين مع الله تعالى, وكذلك فعل اليهود في عزير ﵇ , ثم غالوا في اتباع أحبارهم ورهبانهم فاتخذوهم أرباباً من دون الله, هذا في الغلو من جهة المدح.
أما من جهة الذم فإنهم قتلوا أنبياء الله وأهانوهم وصلبوهم, وكذبوا برسالاتهم وكتبهم, وكفروا بهم واستهزؤوا بهم كما هو ثابت في القرآن العظيم.
وقد نبه العلماء ﵏ على ذلك قديماً؛ قال الزمخشري ﵀: في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾ (٣).
قال الزمخشري: "الغلو في الدين غلوان: غلو حق: وهو أن يفحص عن حقائقه, ويفتش عن أباعد معانيه, ويجتهد في تحصيل حججه, كما يفعل المتكلمون من أهل العدل والتوحيد رضوان الله عليهم.