الطبقات الكبرى - متمم الصحابة - الطبقة الرابعة
قَالُوا: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ قَدْ أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَكَانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَحْيَ، فَرُبَّمَا أَمْلَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨١] فَكَتَبَ «عَلِيمٌ حَكِيمٌ» فَيَقْرَأُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولُ: «كَذَلِكَ اللَّهُ» . وَيُقِرُّهُ. فَافْتُتِنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ وَقَالَ: مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ مَا يَقُولُ، إِنِّي لَأَكْتُبُ لَهُ مَا شِئْتُ، هَذَا الَّذِي كَتَبْتُ يُوحَى إِلَيَّ كَمَا يُوحَى إِلَى مُحَمَّدٍ. وَخَرَجَ هَارِبًا مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ مُرْتَدًا، فَأَهْدَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَمَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ. فَجَاءَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَكَانَ أَخَاهُ فِي الرَّضَاعَةِ، فَقَالَ: " يَا أَخِي، إِنِّي وَاللَّهِ قَدِ اخْتَرْتُكَ عَلَى غَيْرِكَ، فَاحْبِسْنِي هَاهُنَا، وَاذْهَبْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَكَلِّمْهُ فِيَّ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا إِنْ رَآنِي ضَرَبَ الَّذِي فِيهِ عَيْنَايَ، إِنَّ جُرْمِي أَعْظَمُ الْجُرْمِ، وَقَدْ جِئْتُكَ تَائِبًا. فَقَالَ عُثْمَانُ: بَلِ اذْهَبْ مَعِي. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَاللَّهِ لَئِنْ رَآنِي لَيَضْرِبَنَّ عُنُقِي وَلَا يُنَاظِرُنِي، قَدْ أَهْدَرَ دَمِي، وَأَصْحَابُهُ يَطْلُبُونَنِي فِي كُلِّ مَوْضِعٍ. فَقَالَ عُثْمَانُ: انْطَلِقْ مَعِي، فَلَا يَقْتُلُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمْ يُرَعْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا بِعُثْمَانَ آخِذٌ بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ وَاقِفَيْنِ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَأَقْبَلَ عُثْمَانُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّهُ كَانَتْ تَحْمِلُنِي وَتُمْشِيهِ، وَكَانَتْ تُرْضِعُنِي وَتَفْطِمُهُ، وَكَانَتْ تُلْطِفُنِي وَتَتْرُكُهُ، فَهَبْهُ لِي. فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَجَعَلَ عُثْمَانُ كُلَّمَا أَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ بِوَجْهِهِ اسْتَقْبَلَهُ، فَيُعِيدُ عَلَيْهِ هَذَا الْكَلَامَ، وَإِنَّمَا أَعْرَضَ النَّبِيُّ ﷺ إِرَادَةَ أَنْ يَقُومَ رَجُلٌ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَمِّنْهُ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّ لَا يَقُومُ أَحَدٌ، وَعُثْمَانُ قَدْ أَكَبَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ رَأْسَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُبَايِعُهُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَعَمْ» , ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: " مَا مَنَعَكُمْ أَنْ يَقُومَ رَجُلٌ مِنْكُمْ إِلَى هَذَا الْكَلْبِ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ قَالَ: «الْفَاسِقِ» ؟ .