السر المصون على كشف الظنون - قطعة منه
على بريق وعود خلابة أطلقها الحلفاء بالمساعدة على انشاء الدولة الحلم، إذا ما تعاون العرب في اسقاط نظام الخلافة العثمانية. فساهموا في تحطيم عرش بني عثمان وكان للحلفاء ما أرادوا ولم يتحقق للعرب ما وعدوا به بل جوزوا جزاء سنمار ووقعوا تحت نير الانتداب.
وقد أفاقت دمشق على هول الكارثة، وورثت معها تركة ثقيلة عنوانها التخلف والجوع والدمار. وكان الأمل في التغيير كامنا في جهود مثقفيها الذين كان معظمهم صورة مشوهة للمثقف العربي الذي أضاع لغته أمام اهتمامه باتقان اللغة التركية، لغة الوظيفة والبروز الاجتماعي في مرافق الدولة الحاكمة. وحري بمجتمع هذه ظروفه أن يوصم بالجهل المطبق، ولكن هذا الحكم المعمم يشوبه شيء من الخطأ إذا ما نظرنا بعمق إلى الدور الرائد الذي قام به الكثير من علماء دمشق وفي طليعتهم رجال الدين وخطباء المساجد، الذي أدّوا رسالتهم التعليمية والتوجيهية في كل بيت وكل حي وكل مسجد حتى أن الداخل إلى المسجد الأموي الكبير لا يقتصر في الوصف على فخامة البناء وروعته بل يتحدث عن حلقات العلم التي تعقد في كل زاوية ولا تتوقف من الفجر وحتى العشاء الآخرة.
هذا الدور الرائد كان بمثابة النور الذي بدد سحب الظلام، وكأن أصحاب هذا الدور كانوا يهدفون إلى إتمام مسيرة العلم التي بدأت في الإسلام مع لفظة (اقرأ) فقاموا بتربية شباب كان لهم فضل رفع شعارات الحرية، ومقاومة المستعمر بإشعال الأرض نارا تحت قدميه.
وإذا ذكرنا ذلك فمن يستطيع أن ينسى دور المربين الأفذاذ أمثال: الشيخ بدر الدين الحسني (١) وعطا الله الكسم (٢) وابراهيم الغلاييني (٣) وجمال الدين القاسمي (٤) وكامل القصاب (٥) وغيرهم بل من يستطيع أن ينسى دور بيوتات العلم في دمشق أمثال: آل الغزي، والحمزاوي، والبيطار، والمرادي، والنابلسي، والعظم، وعابدين.