المهذب في فقه الإمام الشافعي - الشيرازي
ريان". ولأن في هذه الأحوال يشتغل قلبه فلا يتوفر على الاجتهاد في الحكم وإن حكم في هذه الأحوال صح حكمه لأن الزبير ورجلاً من الأنصار اختصما إلى رسول الله ﷺ في شراج الحرة فقال رسول الله ﷺ للزبير: "اسق زرعك ثم أرسل الماء إلى جارك" فقال الأنصاري: وأن كان ابن عمتك يا رسول الله فغضب رسول الله ﷺ حتى احمر وجهه ثم قال للزبير: "اسق زرعك واحبس الماء حتى يبلغ الجدر ثم أرسله إلى جارك". فحكم في حال الغضب.
فصل: والمستحب أن يجلس للحكم في موضع بارز يصل إليه كل أحد ولا يحتجب من غير عذر لما روي أن النبي ﷺ قال: "من ولي من أمر الناس شيئاً فاحتجب دون حاجتهم وفاقتهم احتجب الله دون فاقته وفقره". والمستحب أن يكون المجلس فيسحاً حتى لا يتأذى بضيقه الخصوم ولا يزاحم فيه الشيخ والعجوز وأن يكون موضعاً لا يتأذى فيه بحر أو برد أو دخان أو رائحة منتنة لأن عمر ﵁ كتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁ وإياك والقلق والضجر وهذه الأشياء تفضي إلى الشجر وتمنع الحاكم من التوفر على الاجتهاد وتمنع الخصوم من استيفاء الحجة فإن حكم مع هذه الأحوال صح الحكم كما يصح في حال الغضب ويكره أن يجلس للقضاء في المسجد لما روى معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم ورفع أصواتكم وخصوماتكم وحدودكم وسل سيوفكم وشراءكم وبيعكم" ١. ولأن الخصومة يحضرها اللغط والسفه فينزه المسجد عن ذلك ولأنه قد يكون الخصم جنباً أو حائضاً فلا يمكنه المقام في المسجد للخصومة فإن جلس في المسجد لغير الحكم فحضر خصمان لم يكره أن يحكم بينهما لما روى الحسن البصري قال: دخلت المسجد فرأيت عثمان ﵁ قد ألقى رداءه ونام فأتاه سقاء بقربة ومعه خصم فجلس عثمان وقضى بينهما وإن جلس في البيت لغير الكم فحضره خصمان لم يكره أن يحم بينهما لما روت أم سلمة ﵂ قالت: اختصم إلى