إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول
الأدلة من القرآن الكريم
...
الأدلة من القرن الكريم:
أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ١.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعُبُورِ، وَهُوَ "الْمُرُورُ"*، يُقَالُ: عَبَرْتُ عَلَى النَّهْرِ، "وَعَبَرْتُ النَّهْرَ"**، وَالْمَعْبَرُ: الْمَوْضِعُ الَّذِي يُعْبَرُ عَلَيْهِ، والمِعْبَر: السَّفِينَةُ الَّتِي يُعْبَرُ فِيهَا، كَأَنَّهَا أَدَاةُ الْعُبُورِ، والعَبْرَة: الدَّمْعَةُ الَّتِي عَبَرَتْ مِنَ الْجَفْنِ، وَعَبَرَ الرُّؤْيَا: جَاوَزَهَا إِلَى مَا يُلَازِمُهَا. قَالُوا: فَثَبَتَ بِهَذِهِ الِاسْتِعْمَالَاتِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ حَقِيقَةٌ فِي الْمُجَاوَزَةِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ حَقِيقَةً فِي غَيْرِهَا دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ، وَالْقِيَاسُ عُبُورٌ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ إِلَى حُكْمِ الْفَرْعِ، فَكَانَ دَاخِلًا تَحْتَ الْأَمْرِ.
قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ هُوَ الْمُجَاوَزَةُ فَقَطْ، بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الِاتِّعَاظِ لِوُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ:
أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِمَنْ يَسْتَعْمِلُ الْقِيَاسَ الْعَقْلِيَّ: إِنَّهُ مُعْتَبَرٌ.
الثَّانِي:
أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ فِي إِثْبَاتِ الْحُكْمِ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ إِذَا لَمْ يَتَفَكَّرْ فِي أَمْرِ مَعَادِهِ يُقَالُ: إِنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، أَوْ قَلِيلُ الِاعْتِبَارِ.
الثَّالِثُ:
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ٢، ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ ٣، والمراد الاتعاظ.
* في "أ": المجاوزة.
** ما بين قوسين ساقط من "أ".