Skip to content

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول الفصل الثالث: في ظنية الإجماع أو قطعيته

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

الشوكاني

Printed page ١/ ٢٠٩

الفصل الثالث: في ظنية الإجماع أو قطعيته

...

البحث الثالث: في ظنية الإجماع أو قطعيته

اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِحُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ هَلْ هُوَ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ أَوْ ظَنِّيَّةٌ؟ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ، وَبِهِ قَالَ الصَّيْرَفِيُّ وَابْنُ بُرْهَانٍ، وَجَزَمَ بِهِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ الدَّبُّوسِيُّ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ. وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَأَنَّهُ يُقَدَّمُ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْأَدِلَّةِ كُلِّهَا، وَلَا يُعَارِضُهُ دَلِيلٌ أَصْلًا، وَنَسَبَهُ إِلَى الْأَكْثَرِينَ، قال: بحيث يكفر مخالفه أو يضلل يبدع.

وَقَالَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ الرَّازِيُّ، وَالْآمِدِيُّ: أَنَّهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ.

وَقَالَ جَمَاعَةٌ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُعْتَبِرُونَ فَيَكُونُ حُجَّةً قَطْعِيَّةً، وَبَيْنَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ كَالسُّكُوتِيِّ، وَمَا نَدَرَ مُخَالِفُهُ فَيَكُونُ حُجَّةً ظَنِّيَّةً. وَقَالَ الْبَزْدَوِيُّ١ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: الْإِجْمَاعُ مَرَاتِبُ، فَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ مِثْلُ الْكِتَابِ وَالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، وَإِجْمَاعُ مَنْ بَعْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَشْهُورِ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَالْإِجْمَاعُ الَّذِي سَبَقَ فِيهِ الْخِلَافُ فِي الْعَصْرِ السَّابِقِ بِمَنْزِلَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ فِي الْكُلِّ أَنَّهُ مَا يُوجِبُ الْعَمَلَ لَا الْعِلْمَ فَهَذِهِ مَذَاهِبُ أَرْبَعَةٌ.

وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا الْخِلَافُ فِي كَوْنِهِ يَثْبُتُ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ وَالظَّوَاهِرِ أَمْ لَا، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِمَا، قَالَ الْقَاضِي فِي "التَّقْرِيبِ": وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى ثُبُوتِهِ بِهِمَا فِي الْعَمَلِ خَاصَّةً وَلَا يُنْسَخُ بِهِ قَاطِعٌ كَالْحَالِ فِي أَخْبَارِ الْآحَادِ "فَإِنَّهَا تُقْبَلُ فِي العمليات لا في الْعَلْمَانِيَّاتِ"* وَقَالَ: دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى قَبُولِهَا فِي الْعَمَلِيَّاتِ.

وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ أَخْبَارَ الْآحَادِ قَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى قَبُولِهَا، وَلَمْ يَثْبُتْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْإِجْمَاعِ، فَإِنْ أَلْحَقْنَاهُ بها كان إلحاقًا بطريق القياس "ولا يجري ذلك في الأصول لأنها قواعد الشريعة فلا تنعقد لمجرد القياس"** وصحح هذا القول عبد الجبار والغزال. قَالَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": الْإِجْمَاعُ الْمَرْوِيُّ بِطَرِيقِ الْآحَادِ حُجَّةٌ، خِلَافًا لِأَكْثَرِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ ظَنَّ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ حَاصِلٌ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ الْمَظْنُونِ، وَلِأَنَّ الْإِجْمَاعَ نَوْعٌ مِنَ الحجة، فيجوز

Editor's text

* ما بين قوسين ساقط من "أ".

** ما بين قوسين ساقط من "أ".