توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم
يعني: في إناء من خشب، والكُثْبة: المقدار القليل من اللبن.
وقد أورد النووي ﵀ إشكالًا وأجاب عنه من أوجه، فقال: ((وهذا الحديث مما يسأل عنه، فيقال: كيف شربوا اللبن من الغلام، وليس هو مالكه؟ ! وجوابه من أوجه:
أحدها: أنه محمول على عادة العرب أنهم يأذنون للرعاة إذا مر بهم ضيف، أو عابر سبيل أن يسقوه اللبن ونحوه.
والثاني: أنه كان لصديق لهم يدلون عليه، وهذا جائز.
والثالث: أنه مال حربي لا أمان له، ومثل هذا جائز.
والرابع: لعلهم كانوا مضطرين، والجوابان الأولان أجود)) (١).
قلت: قول النووي ﵀: إن هذا مال حربي هذا يكون بعد شرعية الجهاد، والجهاد شُرِع بعد ذلك بمدة، والأقرب في مثل هذا: الجواب الأول، وهو: أن الرعاة كان معهم إذن عام من أسيادهم في ذلك.
وقوله: ((وَمَعِي إِدَاوَةٌ أَرْتَوِي فِيهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ لِيَشْرَبَ مِنْهَا وَيَتَوَضَّأَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ مِنْ نَوْمِهِ، فَوَافَقْتُهُ اسْتَيْقَظَ))، يعني: كان أبو بكر ﵁ معه سقاء من جلد يضع فيه شيئًا من الماء، ويتوضأ منه، فلما حلب هذا الغلام اللبن وكان اللبن حارًّا- لأنه في وقت شدة الحر- أخذ الصديق ﵁ هذه الكثبة وصب عليها من القربة الصغيرة التي معه حتى بردت، ثم جاء إلى النبي ﷺ، فوجده نائمًا، فكره أن يوقظه، ((فَوَافَقْتُهُ اسْتَيْقَظَ))، أي: في وقت استيقاظه، قال: ((فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ مِنَ الْمَاءِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ))، ولا يقال: إن صب الماء على اللبن غش؛ لأن هذا اللبن الذي أعده للنبي ﷺ إنما أضاف له الماء من أجل أن يبرد، لا من أجل أن يبيعه.
وقوله: ((فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ))، أي: حتى تحققت أنه أخذ حاجته وروي،