Skip to content

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم كتاب الزهد والرقائق

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Printed page ٨/ ٣٧٩

وقوله: ((فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنْ الْبَحْرَيْنِ))، أي: أتى ﵁ من البحرين ومعه شيء من المال، والصحابة ﵃ في أول الهجرة كانوا في شدة وفاقة، وقلة ذات اليد، فسمعوا بأن أبا عبيدة رضي الله عليه قدم بمال من البحرين ((فَوَافَوْا صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) وفي لفظ عند البخاري: ((فوافته صلاة الصبح مع رسول الله ﷺ) (١)، أي: أبا عبيدة ﵁.

قوله: ((فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ)): يريدون من النبي ﷺ أن يعطيهم شيئًا من المال، ويقسمه بينهم؛ لينتفعوا به لقلة ذات اليد؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: ((لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ قُلْنَا: الآنَ نَشْبَعُ مِنَ التَّمْرِ)) (٢).

فلما رآهم النبي ﷺ عرف ذلك منهم ((فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَأَىهُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ مِنْ الْبَحْرَيْنِ؟ ))، أي: وأنتم تريدون أن أقسمه بينكم، قالوا: ((أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ))، فقال ﵊: ((فَأَبْشِرُوا، وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ))، وهذا تبشير من النبي ﷺ لأصحابه، وأمرٌ لهم بتأميل الخير، وفيه: حسن خلقه ﵊.

وقوله: ((فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ)): فيه: دليل على أن الغنى أشد خطرًا من الفقر، قال الله تعالى: ﴿كلَّا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾، فالفقر قد يصبر عليه الإنسان ويتحمله، لكن الغنى قد يفتح عليه أبوابَ شرور كثيرة؛ لهذا قال بعض الصحابة: ((ابْتُلِينَا بِالضَّرَّاءِ فَصَبَرْنَا، وَابْتُلِينَا بِالسَّرَّاءِ فَلَمْ نَصْبِرْ)) (٣)، وقال تعالى: ﴿فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون﴾، فالناس مع الفقر أقرب إلى الاستقامة منهم مع الغنى.

وقوله: ((وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ