توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم
قَالَ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ، فَقُلْتُ مِثْلَهُ، لا أَدْرِي، فَيَقُولانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ، فَيُقَالُ لِلأَرْضِ: التَئِمِي عَلَيْهِ، فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ، فَتَخْتَلِفُ فِيهَا أَضْلاعُهُ، فَلا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ)) (١) - اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة!
وقوله: ((لولا ألَّا تَدَافَنُوا))، أي: لولا خوفي أن تتركوا التدافن مخافة أن يصيبكم من العذاب ما أصاب الميت ((لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ))، أي: عذاب الميت في القبر؛ فإنكم لو سمعتم ذلك لتركتم موتاكم بلا دفن مخافة أن يعذبوا، أو لاشتغال كل منكم بنفسه حتى يفضي بكم هذا إلى ترك التدافن.
وقيل: إن (لا) زائدة، ومعناه: لولا أن تموتوا من سماعه؛ فإن القلوب لا تطيق سماعه، فيصعق الإنسان لوقته، فكنى عن الموت بالتدافن.
وقيل: المعنى: لولا أنكم تُفشون ما تسمعون من تعذيب فلان وتتحدثون به ولا تكتمونه لدعوت الله أن يُسمعكم من عذاب القبر ما أسمع.
وفيها: دليل على وجوب الإيمان بعذاب القبر.
وفيها: أن النبي ﷺ أمر أُمتَه بالتعوذ بالله من عذاب القبر، ومن الفتن ما ظهر منها، وما بطن، ومن فتنة المسيح الدجال.
وقد خالف في إثبات عذاب القبر ونعيمه الخوارج والمعتزلة:
أما المعتزلة فأنكروا عذاب القبر ونعيمه، وقالوا: إن العذاب إنما يكون للروح، وأما الجسد فلا يعذَّب (٢)، وهذا من جهلهم وضلالهم.
والصواب: أن الروح تُعذَّب وتُنعَّم مفردة، ومتصلة بالجسد، والأحكامُ في البرزخ على الروح أَغْلبُ منها على البدن، ويوم القيامة على الروح