Skip to content

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم باب إكرام الضيف، وفضل إيثاره

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Printed page ٦/ ١٢٣

وفي هذا الحديث: فضل الإيثار والمواساة في الطعام.

وفيه: أنَّ الداعية والعالِم يبدأ بنفسه، فالنبي ﷺ قال: ((مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَلَاثَةٍ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ بِسَادِسٍ))، والنبي ﷺ بدأ بنفسه، وأخذ معه عشرة، وأبو بكر ﵁ أخذ معه ثلاثة.

وفيه: أنَّ طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية، أي: يبارك الله فيه.

وفيه: أنَّ أبا بكر ﵁ وكَّل أمْرَ الضيافة إلى ابنه عبد الرحمن ﵁، وهو دليل على أنه لا بأس بالإنسان إذا كان عنده ضيوف، وعنده مَن يقوم مقامه ويسُدُّ مسدَّه، أن يذهب لحوائجه وأعماله وأشغاله؛ اكتفاءً بمَن ينوب عنه، فأبو بكر ﵁ أخذ ثلاثة أضياف، ووكل أمرهم إلى ابنه عبد الرحمن، وذهب هو إلى النبي ﷺ.

وفيه: محبة أبي بكر للنبي ﷺ، وملازمته له في ليله ونهاره، وحلِّه وترحالِه.

وفيه: دليل على أنهم كانوا يتعشون قبل العشاء، وهذه عادة الصحابة، وعادة العرب، كان العشاء بعد العصر قبل المغرب، وإذا تأخَّر يكون بعد المغرب، أما بعد صلاة العشاء فليس إلا النوم، ينامون مُبكرِّين، فالنبي ﷺ كان إذا صلى العشاء آوَى إلى فراشه، ثم يستيقظ آخر الليل، لكن الآن قد تغيَّرت الأحوال، وحدثت الأعمال والوظائف، واتسعت البلدان، وصار العَشاء في منتصف الليل، أو بعد ثلثي الليل خاصة عند أهل المدن، وأما الفلاحون وأهل الريف فكثير منهم لا يزالون محافظين على عادة القدماء.

وفيه: أن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ اختفى عن أبيه؛ لأنَّ أبا بكر ﵁ كان فيه شدة وقوة، وهو يخشى من غضبه عليه، فناداه أبو بكر ﵁، وقال: ((يا غُنْثَرُ)): من شدة غضبه عليه، وهي كلمة تُطلَق على الجاهل، أو اللئيم، أو السفيه، فسكت عبد الرحمن وكرَّر عليه، وجدَّع، أي: دعا عليه، وكأنه يقول له: جدع اللهُ أنفَك، وسبَّه.