Skip to content

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم باب في الشرب من زمزم قائما

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Printed page ٦/ ٦٥

وذهب الإمام ابن القيم ﵀ إلى تحريم الشرب قائمًا، وهو مع جلالة قدره وإمامته وأنَّ هذه القاعدة الأصولية معروفة قد شدَّد في هذا، وقال: إنه يحرُم الشرب قائمًا أخذًا بهذا الحديث (١)، والقائل وإن كان عظيمًا وإن كان إمامًا كبيرًا إلا أنه ليس بمعصوم، وقد يكون له بعض الأقوال المرجوحة.

والصواب في هذه المسألة: أنَّ الشرب قائمًا جائز، ولكن الشرب قاعدًا أفضل، فإنه أَرْوَى، وَأَبْرَأُ، وَأَمْرَأُ، والشرب قائمًا جائز؛ لأن النبي ﷺ فعله.

ولا خلاف بين أهل العلم أنه لا يجب عليه فعل القيء، ويؤيده الأدلة التي تدل على أنَّ الناسي معفو عنه، قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أو أَخْطَأْنَا﴾، وقال ﵊: ((إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ)) (٢).

وقال النووي ﵀: ((وأما قوله ﷺ: ((فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ)): فمحمول على الاستحباب والندب، فيستحب لمن شرب قائمًا أن يتقيأه؛ لهذا الحديث الصحيح الصريح، فإن الأمر إذا تعذر حمله على الوجوب حُمل على الاستحباب)) (٣).

قلت: وهذا ضعيف؛ لأن الناسي معفو عنه، ولأن التقيؤ يترتب عليه مضار ومشقة، وما دام أن النبي ﷺ شرب قائمًا فالصواب أنَّ الأمر بالاستقاءة كان أولًا، ثم نُسِخ، بدليل أنَّ النبي ﷺ شرب قائمًا ولم يتقيأ.

وإذا تعارَض حديثان، فالقاعدة عند أهل العلم: أنه يُسلَك مسلَك الجمع، ثم النسخ، ثم الترجيح، ثم التوقُّف، أي: يتوقف المجتهد حتى