توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم
[هذا الحديث في قصة قتل كعب بن الأشرف، وهو يهودي إلا أنه كان من يهود العرب، كان من بني نبهان: بطن من طيئ، وكان خبيثًا يؤذي النبي ﷺ ويؤلب عليه الناس ويسبه؛ فأهدر النبي ﷺ دمه.
قوله: ((فقام محمد بن مسلمة». أما محمد بن مسلمة فهو ابن أخت كعب بن الأشرف، وأما أبو نائلة فأخوه من أمه، وهما اللذان قتلاه.
قوله: ((ائْذَنْ لِي، فَلْأَقُلْ قَالَ: ((قُلْ))))، يعني: ائذن لي أن أتكلم فيك حتى يأمن جانبنا، فأذن له النبي ﷺ.
فأتى محمدُ بن مسلمة كعبَ بن الأشرف فقال له: ((إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ))، يقصد الرسول ﷺ ((قَدْ أَرَادَ صَدَقَةً وَقَدْ عَنَّانَا))، يعني: سألنا صدقة وأتعبنا، ففرح بذلك كعب، فقال: ((وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ))، أي: سيأتيكم وقت فتملونه.
قوله: ((إِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ الْآنَ، وَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ أَمْرُهُ))، يعني: نحن قد اتبعناه الآن، وما نريد أن نتركه حتى ننظر آخر أمره، وإنما قال له ذلك حتى يأمن جانبهما.
قوله: ((قَالَ: وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ تُسْلِفَنِي سَلَفًا)) وهي كما ذكر بعد ((وَسْقَيْنِ مِنْ تَمْرٍ))، وقد طلب كعبُ الرهن مكان الوسقين، فعرض عليه محمد بن مسلمة أخيرا: ((وَلَكِنْ نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ- يَعْنِي: السِّلَاحَ- قَالَ: فَنَعَمْ)) فيه: إشارة إلى أنهم سيقتلونه بالسلاح - واتفقوا على ذلك.
قوله: ((فَجَاءُوا فَدَعَوْهُ لَيْلًا، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ، قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ: غَيْرُ عَمْرٍو، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: إِنِّي لَأَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ صَوْتُ دَمٍ، قَالَ: إِنَّمَا هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَرَضِيعُهُ وَأَبُو نَائِلَةَ)) أي: ليس هذا وقت خروج، فقد كانت ذات نباهة وعقل، فقال لها: لا بأس فهذا محمد بن مسلمة ابن أختي وأبو نائلة أخي من الرضاعة، فلا خطر منهما، امرأته ذكرته لكن لم يتذكر؛ لأن الله أراد هلاكه، وقال: ((إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ لَيْلًا لَأَجَابَ)) يقصد أن هذا كرم منه، وإلا لكان سيئ الرد.
قوله: ((فَاسْتَمْكَنَ مِنْ رَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: دُونَكُمْ)) أي: أمسك رأسه بقوة وقال: عليكم عدو الله، فضربوا رقبته بالسيف ((قَالَ: فَقَتَلُوهُ.)) فلما أتوا النبي ﷺ أخبروه بذلك.] [*]
وقوله: ((حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو)) سفيان هذا هو ابن عيينة، وعمرو هو ابن دينار (١)، ويروى عن سفيان بن عيينة أنه قال: سمعت من عمرو بن دينار تسعمائة وخمسين حديثًا، عدةَ ما لبث نوح في قومه (٢).
قوله: ((مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟)) يعني: من يقتله.
وقوله ﷺ: ((آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) فيه: أن الله تعالى لا يضره أحد من خلقه، لكنه الأذى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فالكلام أذى.
وهذا الحديث فيه: أن كعب بن الأشرف نقض العهد، وكان أبوه من طيئ من العرب وأمه يهودية، وصار يهوديًّا، وكان يؤذي النبي ﷺ، ويذهب إلى قريش ويحثهم على حربه ويشجعهم؛ ولهذا أمر النبي صلى الله وسلم بقتله.