توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم
وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ- وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ تصفق- وتقول: كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا، وَمَا يُمْسِكُ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الْمُحْرِمُ، حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ.
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، كِلَاهُمَا عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ، بِمِثْلِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
في هذه الأحاديث: دليل على مشروعية الإهداء إلى البيت من بلده، أي: يهدي إبلًا، أو بقرًا، أو غنمًا وهو جالس في بلده يتقرب بها إلى الله.
وفيها: أن من السنة أن يجعل للهدي قلائد حتى يعلم الناس أنها مهداة؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: ((كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ)، أي: كانت تفتل شيئًا من العِهْن وهو الصوف، ويجعل في رقبة الهدي.
وفيها: دليل على أن من أهدى شيئًا من الإبل، أو البقر، أو الغنم فإنه لا يمتنع من أخذ شيء من شعره، أو ظفره، ولا يمتنع عن النساء، كما يفعل المحرم؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ أَفْتِلُ قَلَائِدَهَا بِيَدَيَّ، ثُمَّ لَا يُمْسِكُ عَنْ شَيْءٍ لَا يُمْسِكُ عَنْهُ الْحَلَالُ)).
وفيها: دليل على أن ابن عباس ﵄ خفيت عليه السُّنة، فقال: ((مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ حَتَّى يُنْحَرَ الْهَدْيُ)) فقالت عائشة ﵂: ليس الأمر كما قال ابن عباس ﵄: ((أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ)).
والقاعدة في هذا- كما تقدم-: أن من حفظ حجة على من لم يحفظ، فعائشة ﵂ حفظت السنة، وهي التي باشرت هذا.