توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم
إنفاق ما زاد عن الحاجة واجبًا ما كان هناك أموال تقسم بعد موت أهلها.
الدليل الثاني: إقرار النبي ﷺ للصحابة بإبقاء بعض أموالهم، فإنه ورد أنه ﷺ لما حثهم على الصدقة جاء أبو بكر ﵁ بماله كله، وجاء عمر ﵁ بنصفه وأبقى نصفه (١)، وكذلك جهز عثمان ﵁ جيش العسرة، وبقي عنده أموال (٢)، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ ذلك، والنبي ﷺ لا يُقِر باطلًا.
الدليل الثالث: قصة توبة كعب بن مالك ﵁، فإنه لما تاب الله عليه أراد أن ينخلع من ماله، فقال له النبي ﷺ: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)) (٣)، وهذا يدل على أنه يجوز أن يُبقي الإنسان ما يزيد عن حاجته.
الدليل الرابع: قول الله تعالى: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾، و ﴿مِن﴾ للتبعيض، فدل على أنه ينفق من بعض ما رزقه الله.
وفي هذا الحديث: أن أبا ذر ﵁ كان في الشام، فأمره معاوية ﵁ أن يخرج من الشام إلى المدينة لما أظهر هذا الرأي؛ حتى لا يحصل بينه وبين غيره نزاع.
وهذا الذي ذهب إليه كان أولًا، ثم نُسخ بإيجاب الزكاة، فلما وجبت صارت تُطَهِّر ما بقي من المال.
وأبو ذر ﵁ كان يقول بهذا؛ لأنه كان يسمع الحديث من الرسول ﷺ، ثم يخرج من عنده يحدِّث به، ثم ينزل الوحي على الرسول ﷺ بنسخ ذلك ولا يعلم به أبو ذر، فيبقى على الأمر الأول، كما قرر ذلك الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في ((أضواء البيان)) (٤)، وقرره غيره من أهل العلم.