توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم
رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ، فَإِنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي، وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ الَّتِي رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ حَتَّى قُمْتُ فِي مَقَامِي، وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا؛ لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ لَا أَفْعَلَ، فَمَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ)).
في هذا الحديث: أن النبي ﷺ تقدم، فتقدمت الصفوف، وتأخر، فتأخرت الصفوف، فدل على أن الحركة عند الحاجة إليها لا بأس بها.
وقوله: ((وَقَدْ آضَتِ الشَّمْسُ)): يعني: رجعت إلى حالها.
وفيه: أن النبي ﷺ رأى صاحب المحجن يجر قصبه في النار، وصاحب المحجن: هو رجل معه عصا، طرفها منحنٍ، يسرق بها الحجاج، بأن يمد العصا، فيتعلق المتاع بالمحجن، فإن فطن له الناس قال: إن هذا المحجن تعلق دون اختياري، وإن لم يُفطن له أخذه.
وفيه: أن النبي ﷺ صلى صلاة الكسوف ست ركوعات، في كل ركعة ثلاث ركوعات، وفي حديث آخر: أنه صلى في كل ركعة أربع ركوعات، وجاء في سنن أبي داود أنه صلى خمس ركوعات (١).
واختلف العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث في صلاة الكسوف:
فذهب الجمهور إلى ما دل عليه حديث عائشة ﵂، وابن عباس ﵄ من أن صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات، وهذا الذي