تفسير الشعراوي
مَرْيَمَ البينات﴾ إنه سبحانه قد حدد أولا موسى ﵇ بالوصف الغالب فقال: ﴿كَلَّمَ الله﴾ وكذلك حدد سيدنا عيسى ﵇ بأنه قد وهبه الآيات البينات. وبين موسى ﵇ وعيسى ﵇ قال الحق ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ والخطاب في الآيات لمحمد ﵊ ُ. إذن ففيه كلام عن الغير لمخاطب هو محمد ﷺ َ.
وساعة يأتي التشخيص بالاسم أو بالوصف الغالب، فقد حدد المراد بالقضية، ولكن ساعة أن يأتي بالوصف ويترك لفطنة السامع أن يرد الوصف إلى صاحبه فكأنه من المفهوم أنه لا ينطبق قوله: «ورفعنا بعضهم درجات» بحق إلا على محمد ﷺ َ وحده. وجاء بها سبحانه في الوسط بين موسى ﵇ وعيسى ﵇، مع أن الرسول ﷺ َ لم يأت في الوسط، وإنما جاء آخر الأنبياء، ولكنك تجد أن منهجه ﷺ َ هو الوسط. فاليهودية قد أسرفت في المادية بلا روحانية، والنصرانية قد أسرفت في الروحانية بلا مادية، والعالم يحتاج إلى وسطية بين المادية والروحية، فجاء محمد ﷺ َ، فكأن محمداً ﷺ َ قطب الميزان في قضية الوجود.
وإذا أردنا أن نعرف مناطات التفضيل، فإننا نجد رسولا يرسله الله إلى قريته مثل سيدنا لوط مثلا، وهناك رسول محدود الرسالة أو عمر رسالته محدود، ولَكِنْ هناك رسول واحد قيل له: أنت مرسل للإنس والجن، ولكل من يوجد من الإنس والجن إلى أن تقوم الساعة إنّه هو محمد ﷺ َ.
فإذا كان التفضيل هو مجال العمل فهو لسيدنا محمد ﷺ َ، وإذا نظرنا إلى المعجزات التي أنزلها الله لرسله ليثبتوا للناس صدق بلاغهم عن ربهم، نجد أن كل المعجزات قد جاءت معجزاته كونية، أي معجزات مادية حسية الذي يراها يؤمن بها، فالذي رأى عصا موسى وهي تضرب البحر فانفلق، هذه معجزة مادية آمن بها قوم موسى، والذي رأى عيسى ﵇ يبرئ الأكمه والأبرص فقد شهد المعجزة المادية وآمن بها، ولكن هل لهذه المعجزات الآن وجود غير الخبر عنها؟ لا ليس لها وجود.