تفسير الشعراوي
ثم وصف الحق سبحانه هذا العبد الصالح، فقال: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا. .﴾ [الكهف: ٦٥] وقد تكلم العلماء في معنى الرحمة هنا، فقالوا: الرحمة وردتْ في القرآن بمعنى النبوة، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]
فكان رَدُّ الله عليهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ. .﴾ [الزخرف: ٣٢]
أي: النبوة، ومطلق الرحمة تأتي على يد جبريل ﵇ وعلى يد الرسل، أما هذه الرحمة، فمن عندنا مباشرة دون واسطة الملَك؛ لذلك قال تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ. .﴾ [الكهف: ٦٥] نحن، وقال: ﴿مِّنْ عِندِنَا. .﴾ [الكهف: ٦٥]
فالإتيان والعندية من الله مباشرة.
ثم يقول بعدها: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً. .﴾ [الكهف: ٦٥] أي: من عندما لا بواسطة الرسل: لذلك يسمونه العلم اللدني، كأنه لا حرجَ على الله تعالى أن يختار عبداً من عباده، ويُنعِم عليه بعلم خاص من وراء النبوة.
إذن: علينا أنْ نُفرِّق بين علم وفيوضات تأتي عن طريق الرسول وتوجيهاته، وعلم وفيوضات تأتي من الله تعالى مباشرة لمن اختاره من عباده؛ لأن الرسول يأتي بأحكام ظاهرية تتعلق بالتكاليف: افعل كذا ولا تفعل كذا، لكن هناك أحكام أخرى غير ظاهرية لها عِلَل باطنة فوق العِلل الظاهرية، وهذه هي التي اختصَّ الله بها هذا العبد الصالح (الخضر) كما سماه النبي ﷺ َ.
والدليل على ذلك أن النبي يأتي بأحكام تُحرّم القتل وتحرم إتلاف مال الغير، فأتى الخضر وأتلف السفينة وقتل الغلام، وقد اعترض موسى ﵇ على هذه الأعمال؛ لأنه لا عِلْم َله بعلتها، ولو أن موسى ﵇ علم العلّة في خَرْق السفينة لبادر هو إلى خرقها.