Skip to content

فتاوى د حسام عفانة ٢٩ - السباب

فتاوى د حسام عفانة

حسام الدين عفانة

Printed page ١٨/ ٢٩

٢٩ - السباب

يقول السائل: ما قولكم فيمن يزعم أن معاوية ﵁ ليس صحابياً ولا يترضى عنه بل يسبه ويشتمه ويلعنه؟ الجواب: لا ريب أن معاوية بن أبي سفيان ﵁ صحابي ابن صحابي ولا ينكر ذلك إلا جاهل أو متجاهل. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في تعريف الصحابي: [وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على الإسلام فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت ومن روى عنه أو لم يرو ومن غزا معه أو لم يغز ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه ومن لم يره لعارضٍ كالعمى] الإصابة في تمييز الصحابة ١/٤.

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني أيضاً بعد أن شرح التعريف السابق: [وهذا التعريف مبني على الأصح المختار عند المحققين كالبخاري وشيخه أحمد بن حنبل ومن تبعهما ووراء ذلك أقوال أخرى شاذة كقول من قال لا يعد صحابياً إلا من وصف بأحد أوصاف أربعة: من طالت مجالسته، أو حفظت روايته، أو ضبط أنه غزا معه أو استشهد بين يديه وكذا من اشترط في صحة الصحبة بلوغ الحلم أو المجالسة ولو قصرت] الإصابة ١/٥.

وأما من زعم [أن معاوية أسلم وعمره ١٣ سنة ولم يرو أنه ذهب إلى المدينة وسكن فيها في حياة الرسول ﷺ وصاحبه والرسول ﷺ مكث في مكة مدة قصيرة لا يتحقق فيها معنى الصحبة وعليه فمعاوية ليس من الصحابة] فهذا الزعم باطل مردود ومعاوية ﵁ صحابي جليل بل أطلق عليه العلماء أنه خال المؤمنين وكاتب وحي رب العالمين. فهو خال المؤمنين لأن أخته حبيبة بنت أبي سفيان ﵂ زوجة النبي ﷺ ومن أمهات المؤمنين وهو من كتبة الوحي فكان يكتب للنبي ﷺ القرآن وقد عدد الحافظ ابن كثير كتاب الوحي وذكر منهم معاوية.

وكذلك فإن معاوية ﵁ قد روى عن النبي ﷺ ١٦٣ حديثاً وخصص له الإمام أحمد في كتابه مسنداً خاصاً وروى له أكثر من مائة حديث. وكذا أبو يعلى الموصلي في مسنده والحميدي في مسنده. والطبراني في المعجم الكبير وغيرهم.

وقال الذهبي: مسنده في مسند بقي – يعني ابن مخلد - مئة وثلاثة وستون حديثاً، وقد عمل الأهوازي مسنده في مجلد واتفق له البخاري ومسلم على أربعة وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بخمسة.

أخرج له أصحاب الكتب الستة ستون حديثاً] من سب الصحابة ص٨٠.

قال الإمام النووي: [وأما معاوية ﵁ فهو من العدول الفضلاء والصحابة النجباء ﵁] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٥٣٠.

وقد ورت أحاديث نبوية في فضل معاوية ﵁ منها عن عبد الرحمن بن أبي عميرة وكان من أصحاب رسول الله ﷺ عن النبي ﷺ أنه قال لمعاوية: (اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به) رواه الترمذي وقال الشيخ الألباني: صحيح كما في السلسلة الصحيحة ١٩٦٩ وصحيح سنن الترمذي ٣/٢٣٦.

وعن أبي إدريس الخولاني قال: [لما عزل عمر بن الخطاب عمير بن سعد عن حمص ولى معاوية فقال الناس: عزل عميراً وولى معاوية!؟ فقال عمير: لا تذكروا معاوية إلا بخير فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: اللهم اهد به] رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/٢٣٦.

وروى الإمام البخاري بسنده عن ابن أبي مليكة قال: [أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس فأتى ابن عباس فقال: دعه فإنه قد صحب رسول الله ﷺ.

وروى البخاري أيضاً بسنده: قيل لابن عباس هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة؟ قال: إنه فقيه] صحيح البخاري مع الفتح ٨/١٠٤-١٠٥.

قال الحافظ ابن حجر: [وقوله دعه: أي اترك القول فيه والإنكار عليه فإنه قد صحب أي فلم يفعل شيئاً إلا بمستند وفي قوله في الرواية الأخرى أصاب إنه فقيه ما يؤيد ذلك] فتح الباري ٨/١٠٥.

وقال الإمام الذهبي في حق معاوية: [حسبك بمن يؤمره عمر ثم عثمان على إقليم وهو ثقة فيضبطه ويقوم به أتم قيام ويرضي الناس بسخائه وحلمه وإن كان بعضهم تألم مرة منه وكذلك فليكن الملك وإن كان غيره من أصحاب رسول الله ﷺ خيراً منه بكثير وأفضل وأصلح فهذا الرجل ساد وساس العالم بكمال عقله وفرط حلمه وسعة نفسه وقوة دهائه ورأيه وله هنات وأمور والله الموعد] سير أعلام النبلاء ٣/١٣٢-١٣٣. وقال الذهبي أيضاً: [ومعاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم وما هو ببرئ من الهنات والله يعفو عنه] سير أعلام النبلاء ٣/١٥٩.

وينبغي أن يعلم أن معاوية ﵁ هو أحد كتبة الوحي الذين استكتبهم رسول الله ﷺ لكتابة القرآن الكريم. انظر الإصابة ٦/١١٣، معاوية بن أبي سفيان لمحمود شاكر ص ٨٨] يسألونك ٧/٣٣٩-٣٤٠.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ومعاوية قد استكتبه رسول الله ﷺ وقال: (اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب) ] الفتاوى الكبرى ٤/٢٥٩

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ولهذا كانوا – أي الرافضة – أبهت الناس وأشدهم فرية مثل ما يذكرون عن معاوية. فإن معاوية ثبت بالتواتر أنه أمَّره النبي ﷺ كما أمره غيره وجاهد معه وكان أميناً عنده يكتب له الوحي وما اتهمه النبي ﷺ في كتابة الوحي وولاه عمر بن الخطاب الذي كان من أخبر الناس بالرجال وقد ضرب الله الحق على لسانه وقلبه ولم يتهمه في ولايته] مجموع الفتاوى ٤/٤٧٢.

وقد قامت الأدلة على تحريم سب الصحابة ﵃ فقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (لا تسبوا أحداً من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفه) رواه البخاري ومسلم.

وقال الإمام النووي: [واعلم أن سب الصحابة ﵃ حرام من فواحش المحرمات سواء من لابس الفتن منهم وغيره لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون ...] ثم نقل عن القاضي عياض قوله: [وسب أحدهم - أي الصحابة - من المعاصي الكبائر] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٧٢-٧٣.

وقال الإمام الآجري: [ومن سبهم فقد سب رسول الله ﷺ ومن سب رسول الله ﷺ استحق اللعنة من الله ﷿ ومن الملائكة ومن الناس أجمعين] .

وقال الإمام الآجري أيضاً: [لقد خاب وخسر من سب أصحاب رسول الله ﷺ لأنه خالف الله ورسوله ولحقته اللعنة من الله ﷿ ومن رسوله ومن الملائكة ومن جميع المؤمنين ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً لا فريضة ولا تطوعاً وهو ذليل في الدنيا وضيع القدر كثر الله بهم القبور وأخلى منهم الدور] من سب الصحابة ومعاوية فأمه هاوية ص١٥.

وقال الإمام أحمد: [إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام] البداية والنهاية ٨/١٤٢.

وقال الإمام أحمد أيضاً: [ومن السنة ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم أجمعين والكف عن الذي شجر بينهم فمن سب أصحاب رسول الله ﷺ أو واحداً فهو مبتدع رافضي حبهم سنة والدعاء لهم قربة والاقتداء بهم وسيلة والأخذ بآرائهم فضيلة] السنة للإمام أحمد.

وقال الإمام البربهاوي: [إذا رأيت الرجل يطعن على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه صاحب قول سوء وهوى] شرح السنة ص١٢٣

وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيمن يلعن معاوية فماذا يجب عليه؟ فأجاب: الحمد لله من لعن أحداً من أصحاب النبي ﷺ معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ونحوهما من هو أفضل من هؤلاء كأبي موسى الأشعري وأبي هريرة ونحوهما أو من هو أفضل من هؤلاء كطلحة والزبير وعثمان وعلي بن أبي طالب أو أبي بكر الصديق وعمر أو عائشة أم المؤمنين غير هؤلاء من أصحاب النبي ﷺ فإنه مستحق للعقوبة البليغة باتفاق أئمة الدين وتنازع العلماء هل يعاقب بالقتل أو ما دون القتل كما قد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع وقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) واللعنة أعظم من السب وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لعن المؤمن كقتله فقد جعل النبي ﷺ لعن المؤمن كقتله وأصحاب رسول الله ﷺ خيار المؤمنين كما ثبت عنه أنه قال (خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) وكل من رأى رسول الله ﷺ مؤمناً به فله من الصحبة بقدر ذلك... الخ] الفتاوى الكبرى ٤/ ٢٥٥- ٢٥٦

وسئل الإمام أحمد بن حنبل ﵁ أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لغبار لحق بأنف جواد معاوية بين يدي رسول الله خيرٌ من عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه وأماتنا على محبته. شذرات الذهب ١/٦٥

قال الإمام الذهبي في ترجمة معاوية ﵁ [فنحمد الله على العافية الذي أوجدنا في زمان قد انمحص فيه الحق واتضح من الطرفين وعرفنا مآخذ كل واحد من الطائفتين وتبصرنا فعذرنا واستغفرنا وأحببنا باقتصاد وترحمنا على البغاة بتأويل سائغ في الجملة أو بخطأ إن شاء الله مغفور وقلنا كما علمنا الله [ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا] وترضينا أيضا عمن اعتزل الفريقين كسعد بن أبي وقاص وابن عمر ومحمد بن مسلمة وسعيد بن زيد وخلق وتبرأنا من الخوارج المارقين الذين حاربوا عليا وكفروا الفريقين] سير أعلام النبلاء ٣/١٢٨.

وخلاصة الأمر أن معاوية ﵁ صحابي جليل يجب تقديره واحترامه والترضي عنه ويحرم سبه وشتمه ولعنه وينبغي أن يعلم أن من سب الصحابة ومعاوية فأمه هاوية.