تخطَّ إلى المحتوى

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

الصفحة المطبوعة ٣١٦/ ١٢

جواز النيابة عن الإمام الراتب

وأما مع عدم وجود الإمام الراتب؛ فانه يَؤُم غيره إذا تغيب: لمرض أو لعذر آخر، ففي الصحيح عن سهل بن سعد، قال: تخلف رسول الله ﷺ -الرسول ﵊ كان يقوم بمهمات الأمة جميعها: بالجهاد، بالإفتاء، بالتعليم، بالتربية، بشئون الجيش، بكل شأن في شئون الحياة- فأتاه قبل صلاة الظهر قوم من بني عوف، وقالوا: يا رسول الله! أصلح بيننا -وهذه رواية سهل بن سعد - فقام ﵊ ليصلح بينهم في العوالي، -والعوالي تجاه خيبر شمال المدينة - فتأخر عن صلاة الظهر، فأذن بلال ﵁ وأرضاه، فانتظر الناس دخوله ﷺ فلم يحضر، فقال بلال لـ أبي بكر: يا أبا بكر! تخلَّف رسول الله صلى عليه وسلم، فهل أُقيم وتصلي بالناس؟ قال: نعم إن شئت، فأقام، فلما انتهى من الإقامة قال أبو بكر -من باب التواضع والتقدير واليسر-: يا عمر! صلِّ بالناس، قال: لا والله لا يصلي إلا أنت، فتقدم يصلي بالناس فلمَّا سوَّى الصفوف وأصبح في الركعة الأولى، أتى ﵊ ودخل من الباب الذي عند بيت عائشة في ميسرة المصلى، وكان إذا أراد أن يخرج على الناس كشف ﷺ الحجاب، وخرج عليهم عامداً إلى المحراب، فإذا رآه بلال أقام.

فالرسول ﷺ توضأ ثم كشف الحجاب؛ فإذا الناس في الصفوف، فارتبك الناس؛ رسول البشرية ومعلِّم الإنسانية ﷺ يصلي مأموماً اليوم، وهو لم يصلِّ في حياته إلا إماماً- فلما ارتبك الناس أخذوا يصفقون لـ أبي بكر وأبو بكر مواصل، وذلك لسببين:

إما لأنه لم يلتفت، وقيل: لأنه لم يفهم لأنه لا يدري ما الذي حدث ومن الذي دخل، فأخذوا يضربون على أفخاذهم، فلمَّا طال الأمر وعلت الرجَّة في المسجد، التفت ﵁ -وللمسلم أن يلتفت للحاجة في الصلاة ولو في الفريضة، وقد صح بذلك حديث- فالتفت فرأى رسول الله ﷺ، فلما رآه تبسم ﷺ وقال: مكانك، فرفع أبو بكر يده إلى السماء ورجع القهقري ففتحوا له فرجة فدخل، فأتى ﵊ فبنى على الصلاة -وهم لم يركعوا وإنما هم في الركعة الأولى- وصلى فلما انتهى ﷺ قال للناس: ﴿ما بالكم صفقتم لما دخلت؟ من رابه شيء فليسبح، فإنما التصفيق للنساء﴾ فالتفت إلى أبي بكر ﵁ وأرضاه، فقال: يا أبا بكر! ﴿ما منعك أن تصلي حين أشرت إليك﴾ فقال المتواضع الصادق الصديق الزاهد ﵁ وأرضاه: [[ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يصلي بقوم فيهم رسول الله ﷺ]] كان بإمكانه أن يقول: عبد الله بن عثمان، فهو اسمه أو كنيته أبو بكر الصديق، لكن قال: (ابن أبي قحافة) لأن أبا قحافة جده، فأراد أن يصغِّر نفسه فقال: أنا ابن أبي قحافة كيف أصلي بالناس، قال: ﴿فما بالك رفعت يديك﴾ قال: حمدت الله على أنك وثقت فيَّ -أو كلاماً في معناه- وهو يقصد قول رسول الله ﷺ: ﴿مكانك﴾ فهذه تزكية من الرسول ﵊.

فالرسول ﵊ حين تخلف صلى أبو بكر بالناس.

وعند ابن خزيمة عن المغيرة بن شعبة وأصل الحديث في مسلم أن الصحابة خرجوا في غزوة مع رسول الله ﷺ، قال: فلما قمنا لصلاة الفجر ذهب ﷺ، للحاجة وأبعد في الخلاء ﵊ -لأنه كان إذا ذهب ليقضي حاجته أبعد حتى لا تراه العيون- فلما توضأ الناس وأذنوا لصلاة الفجر خافوا من أن تطلع الشمس فأقام بلال الصلاة، فلما أقام بحثوا عن الرسول ﵊ فلم يجدوه.

فقال عمر لـ أبي بكر: تقدم يا أبا بكر فصلِّ بالناس، قال: لا والله، قال: تقدم أنت، قال: لا والله، قالوا: من يتقدم؟ فتقدم عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه، فصلى ركعة، فلمَّا كان في الركعة الثانية أتى رسول الله ﷺ فصلى، فلما سلموا رأوا الرسول ﵊ يكمل، فخجلوا أيما خجل، والتفتوا إليه فسلم وتبسم لهم وقال: ﴿أصبتم وأحسنتم﴾.

فهو إقرار بالكلام وبالابتسام منه ﷺ.

وصلى أبو بكر في مرض موته ﵊، تلك الأيام حتى توفي ﵊.

فللمسلم إذا تأخر الإمام وعلم أنه تأخر يقيناً أن يصلي بالناس وليتبرع، وينوي -إذا تقدم إلى المحراب- بعمله وجه الله ﷿، وأن يحتسب أجره على الله، وأن يعلم أن في الحديث الصحيح: ﴿أن من أمَّ قوماً وهم به راضون، أجلسه الله يوم القيامة على كثيب المسك على ميمنة الرحمن ﷾ وكلتا يديه يمين﴾ فإذا تقدم فليعتقد أن هذه دعوة، وأنه يريد الإفادة، وأنه يريد بها وجه الله ﷿، فأعظم دعوة أن تتلو القرآن في الصلاة على الناس: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [النمل:٩٢] وإذا عُلم هذا فهذه الأعذار التي تبيح للمسلم أن يتقدم للإمامة إذا غاب الإمام أو مرض.