دروس الشيخ عائض القرني
التهيؤ لفتح مكة
لما انتهى ﷺ من التحقيق مع هذا الصحابي الجليل عذره وعفا عنه، وأمر ﷺ أصحابه أن يتهيئوا، فكانوا عشر كتائب: سعد بن هُذَيْم، وجُهَيْنة، وأسد، ومُزَيْنة، وأشجع، وغِفار، وأسلم، ومَن لَفَّ لفَّهُم، والأنصار في كتيبة، والمهاجرون في كتيبة.
ومضوا رضوان الله عليهم وأرضاهم والرسول ﷺ قائدهم، وقد أنزل عليه من ذي قبل: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١ - ٢] فقالوا: أي فتح يا رسول الله؟ فأخبرهم أنه فتح خيبر، ثم فتح مكة.
وتحرك ﵊ هو والجيش وكان في رمضان، فلما بلغ الكديد شق الصيام على الناس، وكانوا ما يقارب عشرة آلاف، فدعا بالإفطار، فأفطر ﷺ وأعلن الإفطار في الناس، فأفطروا جميعاً إلا بعض الناس أبوا أن يفطروا، وتحرجوا وتأثموا.
يا سبحان الله! أتقى الخلق لربه، وأخشاهم لمولاه، رسول الله ﷺ يفطر في رمضان، وهم يتحرجون؟! فلما سمع ﷺ أنهم لم يفطروا قال: ﴿أولئك العصاة، أولئك العصاة، أولئك العصاة﴾ وهذا في صحيح مسلم.
فلما بلغوا مَرَّ الظهران قال أنس: ﴿فنزلنا، فأتى ﷺ في منزل، فمَرَّت أرْنَبَة، فأنفجناها -أي: طاردناها- ففرت فصدتُها، فأتيت بها أبا طلحة، الفار المشهور، فذبحها وطبخها، وأهدى وِركها لرسول البشرية ﷺ فقَبِلَه وأكله﴾.
وهذه من الأحداث التي حدثت في الطريق، يرويها ابن كثير وابن حجر، متابَعةً لوقائع انتقال الرسول ﵊ من المدينة إلى مكة.
ونزل ﷺ قبل الظهر، فوجد الأراك وعليه ثمرٌ أحمر، فبدأ يأكل ﷺ منه، فلما رآه الصحابة نزلوا يأكلون معه مشاركة له؛ لأنهم إذا رأوه في أمر شاركوه فيه من الحب ومن التوقير والاحتشام، فقال: ﴿عليكم بالأسود من الكُباث -أي: من الثَمَر- فتبسم الصحابة، وقالوا: كأنك رعيت الغنم يا رسول الله قال: نعم رعيتها.
وما من نبي إلا رعى الغنم.
﴾ لأنه لا يعرف الثمر الأسود من الأحمر من الجيد من الكُباث إلا من رعى الغنم، فأخبرهم بذلك.
وصل ﵊ إلى مشارف مكة، وما أتى قريشاً؛ لأنه دعا عليهم أن يأخذ الله أبصارهم وأسماعهم، فلا يأتيهم أي خبر، فما علموا أبداً أنه تحرك بجيش، وهذا خلاف ما أقره العقلاء - باستقراء من أحوال الأمم - أن الجيوش العظيمة إذا تحركت من مكان إلى مكان لا بد أن يأتي خبر، من التجار والرعاة، والمسافرين، والمتنقلين، والأعداء، ومن الجواسيس؛ لكن هؤلاء ما أتاهم أي خبر، وهم في مكة.