قرآن غاليري المدونة · المقالات
جهنم: ماذا يقول الوحي عنها ولماذا
لا يصف القرآن جهنم لمجرد التخويف؛ فكل مشهد يرسمه للنار يقترن ببيان الحكمة من ذكره. نظرة فاحصة لما تقوله النصوص حقًا عن حجم النار، وطعامها، ومآليها المختلفين تمامًا، بما في ذلك المواضع التي تختلف فيها المصادر ذاتها.
قراءة 6 دقيقة4 مصدرThe Hereafter
الكاتب:The Quran Gallery team
إذا سألت عن الغاية من وصف القرآن لجهنم، فالإجابة السهلة هي: التخويف. هذه الإجابة ليست خاطئة، لكنها ناقصة، والجزء المفقود منها يغير طريقة قراءتنا لهذه الأوصاف. فالقرآن نادرًا ما يعرض مشهدًا من مشاهد النار ويتركه مجردًا، بل غالبًا ما يتبعه، في السياق ذاته أو الذي يليه، ببيان الغاية من هذا المشهد. هذا التناسب — أي ربط الوصف بغاية محددة بدلًا من الوصف لمجرد الوصف — هو جزء أصيل من النص وليس مجرد حلية بلاغية، وهو جدير بالتأمل العميق شأنه شأن الصور البيانية ذاتها.
إنذار في طيات إنذار
تختتم سورة مريم سلسلة طويلة من قصص الأنبياء بتوجيه واحد:
وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ — سورة مريم، 19:39
وقد أورد البخاري حديثًا محددًا مباشرة عقب تعليقه على هذه الآية، وكأن الحديث قد سيق ليوضح حقيقة هذه الحسرة:
يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ. ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ. فَيُذْبَحُ. ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ — صحيح البخاري، حديث رقم 4730، الصفحة المطبوعة 6/93 من . ويذكر البخاري أن الراوي، أبا سعيد الخدري، ختم الحديث بتلاوة الآية 39 من سورة مريم بنفسه، في إشارة منه إلى المغزى الحقيقي للمشهد.
بقراءة بسيطة لهذا الترتيب، نجد أن جامعي هذه النصوص لم يتعاملوا مع إعلان الخلود كأنه الحدث الأبرز، بل اعتبروه تعليقًا على الغفلة؛ غفلة أقوام لم يتعاملوا مع الأمر بجدية حين كان باب العمل مفتوحًا. فـ “يوم الحسرة” ليس حسرة على دخول النار ذاتها، بل هو حسرة على تلقي النذير وتكذيبه.
وصف بمقدار، لا تهويل بلا حدود
ويتجلى الانضباط ذاته في كيفية مقارنة نار الآخرة بالنار التي نعهدها في دنيانا:
نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ. قَالُوا: وَاللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً، يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: فَإِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهَا مِثْلُ حَرِّهَا — صحيح مسلم، حديث رقم 2843، الصفحة المطبوعة 4/2184 من .
لاحظ ما احتفظ به الحديث والذي قد تسقطه الروايات الأقل دقة: رد فعل الحاضرين المحفوظ داخل النص. فقد صرح أحد الحاضرين بأن المقارنة قد أدت غرضها حتى قبل ذكر الرقم. والرقم ذاته يمثل نسبة وتناسبًا، وليس مجرد مبالغة مطلقة؛ فنارنا هي الجزء الأصغر، ونار جهنم هي ذلك الجزء مضروبًا في سبعين. إنه وصف صُمم ليُفهم بالعقل لا ليُستشعر بالعاطفة فحسب، وهو أمر قد يبدو غريبًا عند الحديث عن النار، حتى تدرك أن جل هذه النصوص تسير على النهج ذاته.
طبيعة المشهد في سياقه المتكامل
وحين ينتقل القرآن إلى الوصف الحسي، فإنه يميل إلى استهلال المشهد ببيان سبب الخصومة، لا الاكتفاء بذكر العذاب الواقع:
۞ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِۦ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ وَلَهُم مَّقَـٰمِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا۟ فِيهَا وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ — سورة الحج، 22:19–22
لا تُعرض أي تفصيلة هنا لمجرد السرد. فالنار تأتي جزاءً للخصومة المذكورة في الكلمة الافتتاحية — وهي خصومة في الله — والآية الرابعة لا تصف عذابًا ساكنًا بل دورة مستمرة: محاولة الخروج، ثم الإعادة. وبعد بضع سور، وفي سياق وصف الفئة ذاتها باسم مختلف، يعكس القرآن الشيء الوحيد الذي قد يتمناه القارئ العربي في بيئته الصحراوية عند اشتداد الحر:
فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ — سورة الواقعة، 56:42–44
الظل، وهو الملاذ الوحيد الذي كان المستمعون الأوائل للآيات سيبحثون عنه دون تفكير، يُمنح لهم ثم يُسلب في اللحظة ذاتها. ليس هذا مجرد تصعيد في الصفات، بل هو قلب متعمد ومحدد لما يعهده المخاطبون من وسائل الراحة.
طعام نبت لغاية
ويكون القرآن بالقدر ذاته من المباشرة في بيان غايته حين ينتقل للحديث عن طعام أهل النار:
أَذَٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْنَـٰهَا فِتْنَةً لِّلظَّـٰلِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِىٓ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَـٰطِينِ فَإِنَّهُمْ لَـَٔاكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِـُٔونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ — سورة الصافات، 37:62–66
يصف النص هذه الشجرة بأنها ﴿فِتْنَةً﴾ — أي اختبارًا — في الآية الثانية من السياق ذاته. ويُروى أن المستمعين الأوائل سخروا من فكرة أن تُنبت النار طعامًا من الأساس؛ فيرد القرآن على هذه السخرية بوصف الشجرة بالعبارات ذاتها التي كانت محل شكهم. ثم يأتي أثر آخر ليترجم هذه الفظاعة إلى مقياس يمكن للأحياء استشعاره حقًا:
لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي دَارِ الدُّنْيَا لَأَفْسَدَتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَعَايِشَهُمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ؟ — سنن الترمذي، حديث رقم 2767، الصفحة المطبوعة 4/541 من . يُعرف أحد رواة هذا الإسناد، وهو رشدين بن سعد، بضعف حفظه؛ ومع ذلك، صحح محققو الطبعة الحديث بناءً على طريق آخر يعضده عن ابن عباس، أخرجه أحمد وابن ماجه والنسائي.
إن الانتقال من الشجرة إلى القطرة هو ذات الانتقال الذي أحدثه حديث الأجزاء السبعين في وصف الحرارة: تحويل ما هو مجرد ولا يمكن استشعاره مباشرة إلى مقدار يمكن إدراكه. لا يحاول أي من النصين المبالغة في وصف الفظاعة على حساب الآخر، بل يسعيان إلى تقريب مقياس بعيد المنال إلى الأذهان، وهو مسعى غريب لو كان الهدف مجرد بث الرعب.
ما لا تسمح لك المصادر بتجاوزه
لا تملك كل مسألة تثيرها هذه النصوص إجابة واحدة قاطعة، ومن الأمانة الإقرار بذلك. فالقرآن ذاته يرسم خطًا فاصلًا بين مآلين لأهل النار، ولا يسد كل ثغرة في كيفية قراءة هذا الخط:
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُوا۟ فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ — سورة هود، 11:106–107
لقد قُرئ هذا الاستثناء — “إلا ما شاء ربك” — بطرق مختلفة عبر قرون من التراث التفسيري: فإما أنه موجه لفئة معينة من الأشقياء، أو أنه بيان عام للقدرة الإلهية لا يستلزم بالضرورة خروجًا فعليًا في المستقبل، أو غير ذلك من الأوجه التي لا يزال المفسرون يتناقشون حولها. لا يحسم القرآن هذا الخلاف لقارئه؛ بل يترك الاستثناء قائمًا، دون تفصيل، في الآية ذاتها. وما تضيفه كتب الحديث ليس حسمًا للنقاش، بل حالة واحدة ملموسة تؤكد أن الاستثناء ليس مجرد أسلوب بلاغي:
إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ. رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ... فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه، وهو راوي الحديث، إنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك من جواب الرجل حتى بدت نواجذه.
— صحيح مسلم، حديث رقم 186، الصفحة المطبوعة 1/173 من ، من باب “آخر أهل النار خروجا”.
يصف هذا الحديث فئة محددة — رجل يخرج حبوًا — وليس قاعدة عامة لكل من في النار، والنقاش التراثي حوله يتوخى الحذر في تحديد من يعنيهم الأمر: أولئك الذين ماتوا على التوحيد محملين بالذنوب، لا من ماتوا على الكفر الصريح بالله. والمصادر ليست غامضة في هذا التفريق؛ بل هي ببساطة أقل تفصيلًا مما قد يتمناه المرء في أي ملخص، وسيكون من التشويه لها أن نُحيل الاستثناء إلى وعد قاطع، أو أن نلغيه تمامًا.
التفصيلة الوحيدة التي لا تقبل التأجيل
عند وضع هذه النصوص جنبًا إلى جنب، نجد أن القاسم المشترك بينها ليس صورها البيانية — فهذه تتنوع بين نار تُقاس بالنسب، وشجرة تُوصف بأنها فتنة، ورجل وحيد يزحف نحو الباب. بل القاسم المشترك هو التوقيت. فكل نص منها يعود زمنه إلى ما قبل قضاء الأمر: فالكبش يُذبح مرة واحدة، والإنذار في سورة مريم موجه لمن هم في غفلة، وحتى الرجل الذي يخرج من النار في النهاية يُوصف من منظور حياة لم تنتهِ بعد بالنسبة للقارئ حين يقرأ هذه الكلمات. هذا هو الجزء الذي لا يمكن لأي وصف لجهنم، مهما بلغت دقته، أن يقدمه بمفرده. فالوحي يقدم المقياس والغاية في الجملة ذاتها، لكن ما لا يمكنه فعله هو أن ينوب عن الاختيار الذي ذُكرت تلك الغاية من أجل تغييره.
متابعة
The Hereafter
ذات صلة
The Hereafter الجنة: وُصفت بتفاصيلها لتشتاق إليها يخبرنا الحديث أن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ثم يفصل القرآن آية تلو أخرى في وصفها: أنهار مسماة، وجنات، وذهب. هذا التباين بين القولين ليس تناقضًا، بل هو جوهر الحجة، وهو يشير مباشرة إلى الثواب الوحيد الذي يمتنع القرآن عن وصفه بالطريقة ذاتها. The Hereafter الرحلة التي لا نعد لها حقائبنا: المحطات بين الموت والجنة تتفق كل الروايات عن الدار الآخرة على تسلسل المحطات ذاته: القبر، ثم النفخ في الصور، ثم الميزان، ثم الصراط. وإذا تأملنا نصوص القرآن والحديث، نجد أن أياً من هذه المحطات لا يختبر فيك شيئاً جديداً، بل إن كل محطة منها إنما تعرض عليك ما حسمته أنت سلفاً في حياتك الدنيا. The Hereafter الاستعداد للقاء الله: ما يطلبه منك موتك اليوم إن حسن الخاتمة ليس أمراً يأتيك من تلقاء نفسه يوم يشتد بك المرض، بل هو غاية تُطلب، ويُستعد لها، وتُمارس عملياً - في ديون تقضيها، ووصية تكتبها، وكلمات تعوّد لسانك عليها - قبل مجيء ذلك اليوم بوقت طويل.
اسأل
اسأل المكتبة عمّا قرأته للتو
كل إجابة تستشهد بالصفحة المطبوعة — طبعة مسمّاة ومجلّد وصفحة — وتقول ذلك حين لا يحسم النص المسألة.
يفتح محادثة معرض القرآن بسؤالك.
