تخطَّ إلى المحتوى

قرآن غاليري المدونة · المقالات

تذوق حلاوة الإيمان: الخصال الثلاث التي تثمرها

يحدد حديث نبوي ثلاث خصال دقيقة تثمر "حلاوة" الإيمان؛ وهي ليست من أعمال الجوارح، بل هي مستقر الحب والبغض في القلب. نستعرض هنا ما تتطلبه كل خصلة، ولماذا حفظها الصحابة كشيء يُتذوق لا مجرد معرفة تُلقن.

قراءة 5 دقيقة3 مصدر

الكاتب:فريق معرض القرآن

ثمة كلمة عربية دقيقة تصف ما يتناوله هذا الحديث، وحريّ بنا أن نتأملها قبل قراءته: الذوق. ليس العلم، ولا التصديق. فالذوق مرتبة قائمة بذاتها؛ إذ يمكنك أن تصف العسل لشخص ما بأدق التفاصيل العلمية، ولن يدرك حقيقته حتى يلامس لسانه. وقد استخدم النبي محمد صلى الله عليه وسلم هذا الوصف الدقيق للإيمان، وكعادته، لم يتركه غامضاً، بل حدد ثلاث خصال إما أن يستقر عليها القلب أو يفتقدها، وبيّن أن وجودها هو ما يولد هذا المذاق.

الحديث وما ينص عليه

ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ - بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ - كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ

روى أنس بن مالك رضي الله عنه هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مدون بحروفه في الصفحة المطبوعة 1/13 من من صحيح البخاري، تحت باب عنونه البخاري بوضوح: “مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنَ الإِيمَانِ”. وتضيف رواية مسلم للحديث نفسه، في الصفحة المطبوعة 1/48 من ، كلمة بالغة الأهمية؛ إذ جاء فيها: “وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ”، في حين اقتصر لفظ البخاري على “وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ”. هذا الحرف، “بهن”، يؤدي دوراً جوهرياً؛ فهو لا يعني أن هذه الخصال الثلاث تترافق مع حلاوة الإيمان وكأنها مجرد علامات منفصلة لقلب سليم، بل يعني أن هذه الحلاوة تنشأ بسببها. إنها ليست أعراضاً لمذاق الإيمان، بل هي ما يثمره ويولده.

اقرأ هذه الخصال الثلاث مجدداً، ولاحظ ما تغيب عنه. فليس فيها عمل من أعمال الجوارح؛ إذ لم يقل الحديث “من صلى الخمس”، أو “صام رمضان”، أو “أدى الزكاة”. قد يؤدي المرء كل هذه العبادات في أوقاتها لأربعين عاماً، ومع ذلك يخفق في الاختبار الذي يضعه هذا الحديث؛ لأن الاختبار لا ينصب على ما تفعله الجوارح، بل على مستقر الحب والبغض في أعماق القلب. فالصلاة والصيام والصدقة هي الوسيلة، أما هذه الخصال الثلاث فهي الغاية، وقد يقود المرء مركبته لعقود دون أن يصل إلى وجهته قط.

الخصلة الأولى: حب لا يزاحمه منافس

إن عبارة “أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا” ليست مجرد تقرير عقدي، ولا هي مطالبة بالتجرد من حب الزوج أو الولد أو الصديق. فبالنظر إلى نصوص القرآن والحديث الأخرى، لا يمكن أن يكون هذا هو المعنى المقصود؛ إذ يُؤمر المؤمن في مواضع أخرى ببر والديه ورعاية أهله، والمشاعر الإنسانية الفطرية ليست هي المستهدفة هنا. بل إن ما تحدده هذه الخصلة هو مسألة الرتبة حين يتصادم حبان: عندما تتجاذب رغبات المرء وما يطلبه الله منه في اتجاهين متعاكسين، فأيهما ينتصر تلقائياً، بلا صراع، وبلا حاجة إلى إقناع النفس؟

هذا سؤال أدق وأصعب بكثير من سؤال “هل تحب الله؟“. فكل من يصف نفسه بالمؤمن تقريباً سيجيب بنعم. لكن قلة قليلة يمكنها القول بصدق إن المنافس خاسر قبل بدء السباق؛ بحيث لا تكون الصفقة المربحة القائمة على الكذب خياراً مطروحاً، ولا تكون الضغينة التي أمر الله بتركها محل نقاش، ولا يكون الواجب الذي يشق على النفس هذا الأسبوع أمراً قابلاً للتأجيل. تتحقق هذه الخصلة بقدر ما تتلاشى هذه الخيارات من الحسبان، ليس لأن قوة الإرادة قمعتها في لحظتها، بل لأنها فقدت جاذبيتها من الأساس.

الخصلة الثانية: حب لا تشوبه غاية أخرى

تزيد الخصلة الثانية من دقة المعيار: أن تحب شخصاً “لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلهِ”. فمعظم مشاعر الود التي يحملها الناس تقوم على حسابات مختلطة؛ كأن يكون الشخص لطيفاً، أو نافعاً، أو قريباً، أو يثني علينا، أو يشاركنا أذواقنا، أو ينتمي إلى دائرتنا. ولا شيء من ذلك محرم. لكن هذه الخصلة تتطلب نوعاً مختلفاً وأضيق من الارتباط: أن تحب شخصاً تحديداً لمكانته عند الله؛ لصدقه، ومجاهدته، وطاعته، مع تنحية حسابات المنفعة والقرابة جانباً بالكلية.

ثمة اختبار بسيط لمعرفة ما إذا كان الحب ينطلق حقاً من هذا المعيار: هل يتغير بتغير السبب؟ إن أحببت شخصاً لكرمه معك، فسيبرد هذا الحب يوم ينقطع كرمه. وإن أحببته لجاذبيته، فسيتنافس حبه مع جاذبية الآخرين. أما إن أحببته لأنك رأيته يقبل على الله ويثبت على ذلك، فلن يجد هذا الحب ما ينافسه؛ لأنه لم يكن يوماً في سباق مع أي شيء آخر. كما أنه لا يتبخر حين يسيء إليك هذا الشخص شخصياً، أو يختلف معك، أو يتوقف ببساطة عن كونه نافعاً لك؛ لأن أياً من ذلك لم يكن سبب الحب في المقام الأول.

الخصلة الثالثة: كراهية بقوة الفطرة

الخصلة الثالثة هي التي يميل الناس غالباً إلى تجاوزها سريعاً؛ لأن “كراهية العودة إلى الكفر” تبدو وكأنها تنطبق فقط على حديثي العهد بالإسلام. لكن الأمر أوسع من ذلك. فكل معصية هي، بشكل أو بآخر، اقتراب من الباب نفسه؛ عودة جزئية ومصغرة لتقديم شيء آخر على الله. ولا يطلب الحديث استنكاراً خفيفاً لهذا الباب، بل يطلب نوع النفور ذاته الذي يشعر به المرء تجاه إلقائه جسدياً في النار: ليس حكماً موزوناً يُتخذ بعد تفكير، بل ارتداداً فورياً يشمل الكيان كله ولا يستشير الإرادة أولاً.

هذا الفارق مهم لأنه يخبرك كيف تقرأ ردة فعلك تجاه الذنب. فمحاولة إقناع نفسك بترك شيء لا تزال تجده جذاباً حقاً لا يحقق هذه الخصلة؛ بل هو مجرد قوة إرادة تؤدي وظيفة لم يتعلم القلب بعد كيف يؤديها بمفرده. تتحقق هذه الخصلة حين يزول الانجذاب نفسه، تماماً كما يزول تجاه شيء لن تفكر فيه بجدية أبداً؛ ليس لأنه محرم فحسب، بل لأنه لم يعد يبدو كخيار من الأساس.

صدى قريب للفكرة ذاتها

تستخدم رواية أخرى، عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، الفعل الحسي ذاته، ذاق، لاختبار مختلف ولكنه متصل:

ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا

حُفظ هذا الحديث في الصفحة المطبوعة 1/46 من صحيح مسلم، في ، تحت باب عنونه مسلم بكلمته الافتتاحية: “ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ”. والفعل “رَضِيَ” هنا يعني القناعة الراسخة، لا القبول على مضض ولا مجرد الإقرار بالاعتقاد. فالرضا “بالله رباً” يعني قبول تدبيره لحياتك وما قدره لك، بما في ذلك الأمور التي لم تكن لتختارها بنفسك. والرضا “بالإسلام ديناً” يعني أخذ أحكامه ككل متكامل، دون أن تستبعد سراً ما لا يروق لك في هذا العصر. والرضا “بمحمد رسولاً” يعني التعامل مع ما جاء به كقول فصل، لا كمجرد رأي يُوزن مقابل آراء أخرى.

إذا وضعنا الروايتين جنباً إلى جنب، تتجلى لنا صورة واحدة. يصف الحديث الأول حب القلب وبغضه حين يوضعان في موضعهما الصحيح. ويصف الثاني رضا القلب ذاته حين يوضع في موضعه الصحيح. وبينهما، يغطيان الاتجاهين اللذين يتحرك فيهما القلب: ما يسعى إليه، وما يرضى به حين يتوقف عن السعي وراء أي شيء آخر.

مقياس للاختبار، لا قائمة للمهام

ليس أي من هذا برنامجاً تنجزه لمرة واحدة. بل هو أقرب إلى أدوات قياس يمكن للمرء أن يسلطها على قلبه في أي لحظة ليحصل على قراءة صادقة. ولهذا السبب أيضاً، يصف الحديث هذه الحلاوة كشيء يُوجد أو يُتذوق، لا كشيء يُستدل عليه بالعقل؛ فقد ينتصر المرء في كل جدال حول أحقية الله بالمحبة المطلقة، ومع ذلك لا يصل إلى هذه المرتبة، لأن الوصول إليها لم يكن يوماً ليُحسم بالجدال. بل يُحسم بما يفعله القلب حقاً في المرة القادمة التي يوضع فيها حبان في منافسة حقيقية.

والقرآن هو الميدان الذي تُختبر فيه هذه المنافسة يومياً، آية بآية، بدلاً من مجرد الدفاع عنها نظرياً. فاقرأ والقرآن مفتوح أمامك، لا لتنهي وِرداً، بل لتلاحظ بصدق: أي أوامره تتلقاها بصدر رحب، وأيها لا تزال تميل إلى مجادلتها.

اسأل

اسأل المكتبة عمّا قرأته للتو

كل إجابة تستشهد بالصفحة المطبوعة — طبعة مسمّاة ومجلّد وصفحة — وتقول ذلك حين لا يحسم النص المسألة.

يفتح محادثة معرض القرآن بسؤالك.

تابع المدونة خلاصة RSS خلاصة JSON