تخطَّ إلى المحتوى
Search blog
Search blog…
كل المقالات

Articles

الارتقاء في محبة الله: ما يقرب القلب إليه، وما يجنيه من ثمار

محبة الله ليست مجرد شعور عابر يمتلكه المرء أو يفتقده، بل هي غراس ينمو بأعمال محددة ويُعرف بثمار واضحة. إليك ستة أسباب تجلب المحبة، وثلاث ثمرات تورثها في قلب صاحبها.

الكاتب
فريق معرض القرآن
تاريخ النشر
مدة القراءة
قراءة 5 دقيقة

كل عمل يرضي الله ﷻ هو، إلى حد ما، سبيل للتقرب إليه، غير أن القرآن الكريم والسنة النبوية قد نصّا على أعمال بعينها طالما توقف عندها أطباء القلوب وأهل السلوك. وما سنذكره تالياً مستقى من هذه المصادر الصافية لا من محض الاجتهاد: أعمال تبني صرح هذه المحبة، وثمرات يبدأ القلب في تذوقها متى ما أينعت.

إن القراءة السريعة للقرآن لا تستوي مع القراءة المتأنية التي يستشعر فيها العبد أنه المخاطب بآياته. وقد بيّن الله ﷻ الغاية من إنزال كتابه الكريم بقوله:

كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ

سورة ص، 38:29

فالتدبر - وهو تقليب النظر في الآية حتى تتجلى معانيها - قد نُص عليه هنا كغاية كبرى لإنزال القرآن. والقلب الذي يعيش مع القرآن بانتظام، إنما يقضي وقته يومياً في تلقي خطاب مباشر من الخالق الذي يسعى لمحبته. وقلّما تجد عملاً آخر يضع العبد في هذه المنزلة من القرب، وبهذا القدر من الاستمرار.

الفرائض هي الأساس الذي يُبنى عليه، وليست السقف الذي يُوقف عنده. وما يرتقي بالعبد فوق ذلك هو ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه ﷻ، في واحد من أعظم الأحاديث شأناً في هذا الباب:

«إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه»

أُخرج هذا الحديث في الصفحة المطبوعة 5/2384 من طبعة ، ضمن باب التواضع. فالفرائض هي الباب الأول الذي يُدخل العبد إلى محبة الله، أما النوافل - من صلاة وصيام وصدقة، والتي لا تُؤدى إلا لكونها محبوبة عنده ﷻ - فهي التي ترتقي بهذه المحبة إلى آفاق لا يمكن للحد الأدنى من العمل أن يبلغها. فالنافلة في هذا الحديث ليست مجرد زيادة عابرة، بل هي الآلية ذاتها لبلوغ المحبة.

ليس الذكر عبادة معزولة عن غيرها من العبادات، بل هو روح تسري في كل شيء؛ في اللسان، وفي القلب، وفيما تختاره الجوارح من أفعال. وقد صاغ الله ﷻ هذا المعنى في صورة تبادلية، لا كفعل من طرف واحد:

فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ

سورة البقرة، 2:152

إن مقدار ما يذكر العبد ربه في يومه العادي هو مقياس صادق لمدى محبته له؛ فليس ثمة من يغيب من يحب عن خاطره لفترات طويلة دون أن يشعر بوحشة هذا الغياب.

إن التفكر في أسماء الله وصفاته هو أحد السبل لزيادة محبته، والتفكر في آلائه ونعمه هو سبيل آخر، وهو متاح لكل إنسان في كل لحظة، بغض النظر عن حظه من دراسة علوم العقيدة.

وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ

سورة النحل، 16:18

والقلب الذي يتوقف حقاً عند هذا المعنى - مستشعراً أن كل نَفَس، وكل لقمة، وكل حاسة تعمل في جسده، إنما هي نعمة لم يبذل شيئاً لاستحقاقها ولا يقدر على إحصائها - يصعب عليه أن يظل بارداً تجاه المنعم الذي وهبه كل ذلك.

تنمو المحبة أو تذبل بحسب ما تتغذى عليه، وتُعد الصحبة من أقوى روافدها. وقد حدّث معاذ بن جبل رضي الله عنه رجلاً في مسجد دمشق بما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه ﷻ أنه قال:

«وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في»

أُخرج هذا الحديث في الصفحة المطبوعة 2/953 من طبعة . كان معاذ قد بادر رجلاً غريباً بقوله: “إني أحبك في الله”، وكانت هذه الكلمة الصادقة - لا مشروعاً مشتركاً ولا خلفية متطابقة - هي ما استوجب الثواب المذكور في الحديث الذي ساقه. فالجلوس بانتظام مع أقوام تذكرك صحبتهم بالله، بدلاً من أن تصرفك عنه، قد نُص عليه كسبب لنيل محبته، كما أن اجتناب الصحبة التي تفعل العكس مطلوب بالقدر ذاته.

للخلوة بالله ساعة مخصوصة ترتبط بها. ففي وصف المؤمنين الذين أثنى الله ﷻ على عبادتهم، يقول القرآن الكريم:

كَانُوا۟ قَلِيلًا مِّنَ ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ

وَبِٱلْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ

سورة الذاريات، 51:17–18

في تلك الساعة لا يوجد زحام، ولا رياء يُحافظ عليه، ولا أحد يُتصنع لأجله. فما يُقال حينها يُقال لله وحده، ولهذا تحديداً عُدّت هذه الساعة من أوثق السبل للتقرب إليه؛ فهي عبادة تجردت من كل ناظر إلا من تُصرف له.

لا تُقاس محبة الله بما يفعله العبد لأجله فحسب، بل إنها تغير ما يشعر به العبد أثناء الفعل. وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم هذا التغير وصفاً مباشراً بقوله:

«ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار»

أُخرج هذا الحديث في الصفحة المطبوعة 1/14 من طبعة ، في كتاب الإيمان. فالعبادة التي كانت تبدو يوماً ما كواجب ثقيل يُراد الخلاص منه، تصبح هي ذاتها ما يتطلع إليه القلب بشوق. وهذا التحول - من مجرد الامتثال إلى الرغبة الصادقة - هو من أوضح العلامات على تجذر المحبة، لأن الرغبة ليست شيئاً يمكن للمرء أن يفتعله.

إن حديث النوافل المذكور آنفاً لا يقف عند وصف كيفية تقرب العبد، بل يمضي ليصف ما يحدث حين يحبه الله ﷻ:

«فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه»

تتمة الحديث في الصفحة المطبوعة ذاتها، 5/2384 من طبعة . فالعبد الذي يحظى بمحبة الله على هذا النحو، يجد كل جوارحه مسددة نحو ما يرضيه، لا منساقة وراء ما يسخطه؛ فالسمع والبصر واليد والقدم تعمل جميعها في الاتجاه الذي يبتغيه القلب سلفاً. ويُختتم الحديث بذكر عبدٍ بلغ من محبة الله له مبلغاً جُوبِه فيه الخوف البشري الفطري من الموت بما هو ألطف من مجرد عدم الاكتراث: وهو تردد الله ﷻ في إلحاق أي أذى به. إن قلباً بلغ هذا المبلغ لم يعد بحاجة إلى من يقنعه بأن القرب من الله غاية تُطلب، بل هو يتوق للمزيد منه؛ في هذه الحياة، وفي اللقاء الذي يعقبها.


ليس شيء مما سبق برنامجاً يُنجز مرة واحدة ثم يُطوى، بل هو عهد يُتعهد كما يُتعهد كل كائن حي؛ إما أن يُغذى يومياً أو يُترك ليذبل. وتضم مجموعة الأذكار في معرض القرآن الأذكار الثابتة لهذا الغرض تحديداً؛ أذكار الصباح والمساء، وكل ساعة عادية تتخلل الأعمال المذكورة أعلاه، محفوظة بكلمات صُحح إسنادها.

نسأل الله ﷻ ما رُوي أن نبيه صلى الله عليه وسلم سأله، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، من دعاء داود عليه السلام:

«اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، والعمل الذي يبلغني حبك، اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد»

أُخرج في الصفحة المطبوعة 5/472 من طبعة ، وقال عنه الترمذي: حديث حسن غريب. آمين.