Articles
الوقاية قبل العلاج: درع النبي اليومي للتحصين من العين والغيب
تُعالج الرقية الشرعية الأذى بعد وقوعه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم علمنا أيضاً خط دفاع استباقي؛ كلمات يسيرة ترتبط بلحظاتنا اليومية المعتادة، شُرعت لرد كيد الحسد وأذى الغيب قبل الحاجة إلى العلاج أصلاً.
- الكاتب
- فريق معرض القرآن
- تاريخ النشر
- مدة القراءة
- قراءة 5 دقيقة
تلبي الرقية الشرعية -وهي قراءة القرآن وأدعية النبي المأثورة على من أصابه أذى- حاجة حقيقية، ولا غنى لأي بيت عنها. غير أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتصر على تعليمنا ما نقوله بعد وقوع الحسد أو الإصابة بالعين أو مس الجن، بل ربط كلمات يسيرة ومألوفة بلحظات يومية معتادة -كخلع الثياب، وتناول الطعام، والخروج من المنزل، والخلود إلى النوم- يُقصد بها التحصين قبل الحاجة إلى العلاج أصلاً. وهذا المقال يتناول خط الدفاع الاستباقي هذا.
يذكر ابن القيم (المتوفى سنة 751 هـ) أن كل عائن حاسد، وليس كل حاسد عائناً؛ ولذلك جاءت الاستعاذة القرآنية من ﴿شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ (113:5) لتشمل الأذى الأخص ضمن الأذى الأعم. ويُبيّن أن ما يخرج من نفس الحاسد أو المعجب إنما هي سهام تتجه نحو المحسود؛ فإن صادفته مكشوفاً بلا وقاية أصابته، وإن وجدته متحصناً بدرع أخطأته، وربما ارتدت على من رماها. وليس هذا من مستحدثات العلماء المتأخرين، فالقرآن الكريم نفسه يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الكفار حين سمعوه يتلو الذكر كادوا يزلقونه بأبصارهم (68:51). ورد هذا التقرير في .
وليس ما سنذكره تالياً من قبيل التمائم أو التعاويذ السحرية، بل هي جمل يسيرة ربطها النبي صلى الله عليه وسلم بلحظات يومية معتادة، ليكون المرء في حصن حصين قبل أن تداهمه لحظة الخطر.
يروي جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء. وإذا لم يذكر الله عند دخوله ولا عند طعامه، أعلن الشيطان أنه أدرك المبيت والعشاء. هما جملتان تُقالان في أكثر لحظات اليوم تكراراً، فتغلقان باباً كان ليظل مشرعاً لولا ذلك — أخرجه مسلم في .
ينقل أنس بن مالك توجيه النبي صلى الله عليه وسلم: من قال إذا خرج من بيته: «بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ»، يُقال له: «هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ». وتتنحى عنه الشياطين التي كانت تتربص به، فيقول شيطان لآخر: «كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟». وقد حسّن محققو هذه الطبعة إسناده بشواهده، في .
يروي جندب بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ». إن ضماناً بهذا القدر من العظمة يستحق أن يُبنى عليه نظام الصباح بأكمله، مهما كانت مشاغل اليوم — أخرجه مسلم في .
يروي أبو هريرة أن من قال إذا أصبح: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» مئة مرة، كُتبت له عدل عشر رقاب، وكُتبت له مئة حسنة، ومُحيت عنه مئة سيئة، وكانت له -كما نص النبي صلى الله عليه وسلم- «حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ». أخرجه مسلم في .
يروي عثمان بن عفان أن النبي صلى الله عليه وسلم علّم أمته أن من قال في كل صباح ومساء ثلاث مرات: «بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»، لم يضره شيء. وقد حسّن الترمذي هذا الحديث وصححه بقوله “حسن صحيح غريب”، في . وتذكر الصفحة ذاتها ما حدث لراوي الحديث أبان بن عثمان؛ فقد أُصيب لاحقاً بشلل نصفي (فالج)، ولما أخذ أحد جلسائه ينظر إليه متعجباً، أخبره أبان بوضوح أن الحديث حق، ولكنه نسي أن يقول تلك الكلمات في ذلك اليوم تحديداً ليُمضي الله فيه قدره. لم يتعامل أبان مع هذه الكلمات كتعويذة تعمل تلقائياً، بل أدرك أن غفلتَه عنها كانت الثغرة التي نفذ منها الأذى إليه.
يروي عبد الله بن خبيب أنه خرج في ليلة مظلمة ومطيرة يبحث عن النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي بهم، فلما أدركه سأله عما يقول. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «قُلْ» -ثلاث مرات- ثم علّمه أن يقرأ سورة الإخلاص (112) والمعوذتين؛ الفلق والناس (113–114)، ثلاث مرات حين يمسي وحين يصبح، مبيناً أنها: «تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ». وقد حسّن محققو هذه الطبعة إسناده، كما أخرجه الترمذي في موضع آخر وقال “حسن صحيح غريب”، في .
أمسك أبو هريرة -وقد وكّله النبي صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان- بمتسلل يسرق من الطعام ثلاث ليالٍ متتالية، قبل أن يخلي سبيله في المرة الأخيرة مقابل أن يعلمه كلمات ينفعه الله بها: أن يقرأ آية الكرسي (2:255) إذا أوى إلى فراشه، فلا يزال عليه من الله حافظ حتى يصبح، ولا يقربه شيطان. وفي الصباح التالي، أكد النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك المتسلل قد صدقه هذه المرة وهو كذوب — أخرجه البخاري مطولاً في .
يروي أبو مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» (2:285–286) — أخرجه البخاري في . وهما آيتان تُختتمان بدعاء جامع بالمغفرة والنصرة على القوم الكافرين، لتكونا مسك الختام لمعظم ليالي المؤمن في حياته.
لا يُغني شيء مما سبق عن الرقية الشرعية؛ فالحسد والعين وأذى الغيب حقائق واقعة، وعلاج ما وقع منها يظل أمراً ضرورياً. لكن ما يتغير هنا هو مدى حاجتنا إلى هذا العلاج من الأساس. فسهم ابن القيم منطلق في كلتا الحالتين؛ والفارق الذي تصنعه هذه الكلمات هو ما إذا كان السهم سيصيب هدفاً مكشوفاً، أم سيرتد عن جسد متدرع بحصن متين. اختر اثنين أو ثلاثة من الأذكار المذكورة أعلاه واربطها بلحظات تمر بها يومياً -عند الباب، أو مائدة الطعام، أو وسادة النوم- بدلاً من انتظار وقوع البلاء لتبحث عن الدواء.
يمكنك قراءة السور المذكورة هنا في مصحفنا الإلكتروني، والاطلاع على مجموعة أشمل من الأدعية النبوية للتحصين والشفاء -مع تخريجاتها- في قسم الأذكار.
إن وجدتم خطأً فيما قدمناه -سواء في ترجمة، أو عزو، أو رقم صفحة- فأخبرونا به، وسنصححه علانية. ولهذا السبب تحديداً، قمنا بربط كل إحالة في هذه الصفحة بالصفحة المطبوعة التي نُقلت منها.
نسأل الله ﷻ أن يحفظنا مما لا نراه، وأن يجعل هذه الكلمات درعاً واقياً بحق، لا مجرد عادة خاوية.