قرآن غاليري المدونة · المقالات
الإخلاص: الشرط الوحيد لقبول الأعمال
يروي صحيح مسلم تحذيراً عن مصير شهيد، وعالم، ورجل جواد، يُسحبون جميعاً إلى النار بسبب عمل لا ينكر أحد أنه وقع بالفعل. لم يكن المفقود هو العمل بل الغاية منه، وفي نفس كتاب الحديث نجد وصفاً إلهياً دقيقاً لمدى رفض الله التام لأي دافع تشوبه شائبة.
قراءة 5 دقيقة3 مصدر
الكاتب:The Quran Gallery team
حين وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته بسنوات، لم يختر أن يذكر الناس بحكم من أحكام الصلاة أو الصيام، بل اختار أن ينقل لهم ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك الشرط الأساسي الذي يحدد ما إذا كانت هذه الأعمال مقبولة أصلاً أم لا:
إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ — صحيح البخاري، حديث رقم 1، الصفحة المطبوعة 1/6 من .
لم يدفن الإمام البخاري هذا الحديث في منتصف كتابه، بل افتتح به «الجامع الصحيح» كاملاً، قبل أن يورد حكماً واحداً في الوضوء أو الصلاة، بل وقبل أن يكتمل مقصود باب بدء الوحي. وقد لاحظ كل عالم كتب عن منهج البخاري هذا الصنيع: فموسوعة صُنفت لتحفظ فقه وعبادات أربعة عشر قرناً، تُفتتح -عن قصد- بعبارة تتناول حالة القلب. فالحكم الفقهي يأتي تالياً، أما الغاية من العمل فتأتي أولاً؛ لأنه بدون هذه الغاية، لا قيمة لأي شيء يأتي بعدها.
دلالة الكلمة
تأتي كلمة «الإخلاص» في اللغة العربية من الجذر (خ-ل-ص)، وهو جذر لا علاقة له بالمشاعر، بل يتمحور معناه حول التصفية والتنقية. إنها الكلمة التي تُستخدم لوصف تنقية المعدن حتى لا يبقى فيه سوى المعدن الخالص نفسه: بلا شوائب، ولا خبث، ولا أثر لأي مادة اختلطت به حين استُخرج من الأرض. فالمُخْلِص ليس مجرد شخص تفيض مشاعره أثناء العبادة، بل هو من جرّد عمله وصفّاه حتى لم يبق فيه نصيب لأحد سوى الله.
وهذه هي الكلمة ذاتها التي يستخدمها القرآن الكريم لوصف حقيقة العبادة كما ينبغي أن تكون منذ البداية:
قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُۥ دِينِى — سورة الزمر، 39:14.
تأمل ما لم تقله الآية؛ فهي لم تقل «أعبد الله أكثر من أي شيء آخر»، وهو ما كان سيسمح لأشياء أخرى بمشاركة العمل بنسب أقل. بل قالت «مُخْلِصًا» -أي مصفياً له الدين- وهي كلمة تصف حالة حدية لا تقبل القسمة، وليس مجرد حصة أغلبية. فالعمل إما أن يكون خالياً من الشوائب تماماً، أو لا يكون خالصاً على الإطلاق.
الصفقة التي لا يقبل الله قسمتها
ليس هذا مجرد قراءة أدبية للكلمة، بل هو قاعدة صريحة نطق بها النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى:
أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ — صحيح مسلم، حديث رقم 2985، الصفحة المطبوعة 4/2289 من . وقد أورد الإمام مسلم هذا الحديث تحت باب أسماه «من أشرك في عمله غير الله»، والذي ضُبط في بعض المخطوطات باسم باب «تحريم الرياء».
اقرأ هذا الحديث بتمعن، فالحسبة هنا تختلف عما قد يتبادر إلى الذهن. فالحديث لا يقول إن الله يقبل من العمل ما كان خالصاً له ويطرح ما كان لغيره، وكأن عملاً خيرياً أُدي بنسبة تسعة أعشار لله وعُشر واحد طلباً لثناء الناس سينال صاحبه تسعة أعشار الأجر. بل يقول العكس تماماً: يُترك العمل كله للشريك الذي أُشرك فيه. فالله لا يقبل حصة من نية مشتركة، بل يترك الصفقة بأكملها لمن قُصد إرضاؤه من دون الله. فالعمل الذي تبلغ نسبة الإخلاص فيه تسعة وتسعين بالمائة ويشوبه واحد بالمائة من الرياء، هو بحسب هذا الميزان عمل لم يصل إلى الله أصلاً.
هذا المعيار أشد قسوة بكثير مما يظنه معظم الناس عن متطلبات الإخلاص. فهو لا يطلب مجرد عمل صالح يُؤدى بنية حسنة نوعاً ما، بل يطرح تساؤلاً جوهرياً: لو أُبعد الجمهور المتابع لهذا العمل في صمت -فلا أحد يرى الصدقة، ولا أحد يسمع التلاوة، ولا أحد يلاحظ الصيام- فهل كان الشخص سيؤدي العمل بنفس الطريقة تماماً؟
الثلاثة الذين تُسعّر بهم النار
يصف كل من التحذير القرآني والحديث القدسي مبدأً عاماً. غير أن صحيح مسلم يحفظ لنا أيضاً كيف يبدو هذا المبدأ في الواقع العملي، وذلك في حديث رواه أبو هريرة لرجل طلب منه مباشرة أن يحدثه بحديث سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه:
إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ، رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ — صحيح مسلم، حديث رقم 1905، الصفحة المطبوعة 3/1513 من . ويشير الشرح المرفق بهذه الصفحة إلى أن العقاب الموصوف للمقاتل والعالم والمنفق هو دليل على شدة تحريم الرياء، وأن الثناء العام الذي يطلقه القرآن على الجهاد والعلم والصدقة إنما ينصرف لمن أراد بها وجه الله تعالى.
كل عمل ذُكر في هذا الحديث هو عمل يأمر به الإسلام حقاً: القتال دفاعاً عن الأمة، ونشر العلم الشرعي، وإنفاق المال. ولم يكذب أي من الرجال الثلاثة فيما فعلوه؛ فسجل أعمالهم دقيق في كل حالة، والله يقرهم على ذلك قبل أن يقول لكل منهم «كذبت». إنما كان الكذب في الغاية. كان العمل حقيقياً، لكن الإخلاص لله فيه لم يكن كذلك. وهؤلاء ليسوا شخصيات هامشية اختيرت لضرب مثل بسيط، بل إن الشهيد والعالم والمحسن هم أكثر ثلاثة أشخاص يميل المجتمع إلى الثناء عليهم دون أن يسأل عن نواياهم. فالحديث لا يحذر من معصية ظاهرة، بل يحذر من أعظم الأعمال التي يمكن للمرء أن يؤديها، حين تُفرّغ من محتواها بسبب الغاية التي أُديت من أجلها.
ما يتبقى حين تتجرد الدوافع
ضع هذه الأحاديث الثلاثة جنباً إلى جنب لتتضح لك حجة واحدة، كل جزء فيها يزيد ما بعده حدة ووضوحاً. فالنية تحدد قيمة العمل قبل أن يبدأ أصلاً، ولهذا وضع الإمام البخاري حديث النية في صدارة كتابه. والله لا يخصم من النية المشتركة بنسبة وتناسب، بل يترك العمل كله لمن أُشرك فيه، ولهذا وصف الحديث الثاني الرب تبارك وتعالى بأنه «أغنى الشركاء عن الشرك» ولم يكتفِ بوصفه بغير الراضي. وهذا الترك ليس نظرياً: فثلاثة من أعظم الأعمال التي يمكن للمرء أن يؤديها في الظاهر، يُساق أصحابها بأعيانهم إلى النار، يُسحبون على وجوههم؛ في نقيض تام للكرامة التي يتوقعها الشهيد أو العالم أو المنفق.
ما لا تقدمه أي من هذه الأحاديث هو حل سهل وسريع، لأن الإخلاص ليس خطوة تُنجز مرة واحدة ثم تنتهي. فالرجل الذي قاتل لم يكن يكذب حين بدأت المعركة؛ بل كان الكذب فيما تحول إليه القتال تدريجياً في نفسه. فالانجذاب نحو لفت الأنظار لا يعلن عن نفسه عادة كقرار صريح، بل يتسلل كنشوة صغيرة وعادية عند ملاحظة الناس لك، شعور يسهل الإحساس به ويسهل أكثر تجاهل وجوده. فتصفية العمل كما تصفه كلمة «الإخلاص» ليس خياراً يُتخذ سلفاً لمرة واحدة، بل هو مراجعة مستمرة تُجرى لحظة أداء العمل، وبصدق كافٍ لملاحظة ما إذا كان الدافع قد بدأ في الانحراف.
وهذا، في النهاية، هو كل ما تتطلبه هذه الكلمة. ليس مزيداً من العبادة، ولا عبادة أشد صخباً، بل عبادة مجردة حتى لا يبقى فيها من غاية سوى الله:
قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَـٰلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا — سورة الكهف، 18:110.
ذات صلة
المقالات الارتقاء في محبة الله: ما يقرب القلب إليه، وما يجنيه من ثمار محبة الله ليست مجرد شعور عابر يمتلكه المرء أو يفتقده، بل هي غراس ينمو بأعمال محددة ويُعرف بثمار واضحة. إليك ستة أسباب تجلب المحبة، وثلاث ثمرات تورثها في قلب صاحبها. المقالات تزكية النفس: عمل دؤوب لتطهير القلب ينسب القرآن الكريم تزكية النفس إلى من زكاها، ثم نجد النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه يسأل الله ﷻ أن يتولى هو تزكيتها. وبقراءة هذا المعنى جنبًا إلى جنب مع حديث عن مثقال ذرة من كبر، وآخر عن الشحناء بين المؤمنين، يتضح لنا أن التزكية سعي يبذله الإنسان، ولا يتمه إلا الله. المقالات حب الله: كيف يوقن القلب بصدق محبته ليس حب الله مجرد شعور خفي يُكتفى فيه بالتصديق القلبي، بل إن القرآن الكريم يسميه، ويصفه بأنه متبادل، ويضع معياراً دقيقاً للتمييز بين المحبة الصادقة والادعاء الزائف.
اسأل
اسأل المكتبة عمّا قرأته للتو
كل إجابة تستشهد بالصفحة المطبوعة — طبعة مسمّاة ومجلّد وصفحة — وتقول ذلك حين لا يحسم النص المسألة.
يفتح محادثة معرض القرآن بسؤالك.
