دروس الشيخ عائض القرني
النبي ﷺ يسمع القرآن من أصحابه
ولذلك أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء أن ابن مسعود ﵁ وأرضاه صعد شجرة ليأخذ منها سواكاً للرسول ﷺ، فلما صعد الشجرة أخذت الرياح تلعب بالشجرة وعليها ابن مسعود على غصن، فأخذ الصحابة يتضاحكون من دقة ساقيه؟! قال ﷺ: ﴿أتضحكون من دقة ساقيه، والذي نفسي بيده! إنهما في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد﴾.
إن المسألة مسألة إيمان ويقين وإقبال على الله، ولو كانت المسألة مسألة أجسام، فإن المنافقين أعظم الناس أجساماً، لكن العجيب أن الله ذمهم بكبر الأجسام وبضخامة الأعضاء؛ ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون:٤].
لا بأس بالقوم من طولٍ ومن قصرٍ جسم البغال وأحلام العصافير
﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] ولكن ليست ثابتة وإنما مسندة، فهي لا تعتمد على نفسها، فبعض الخشب يعتمد على نفسه، لكن هؤلاء من فشلهم وانهزامهم وتأخرهم وغبائهم وبلادتهم وخبثهم كالخشب التي لا تعتمد على نفسها مسندة: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون:٤] ابن مسعود لم يملك من هذه الأمور والمعطيات شيئاً، بل ملك إيماناً وفي ذلك يقول: [[أخذت سبعين سورة من فيِّ الرسول ﷺ لا ينازعني فيها أحد، والله الذي لا إله إلا هو، لو أعلم أن رجلاً تبلغه الإبل يعلم أكثر مني في القرآن لركبت إليه]].
فهذا ابن مسعود ﵁ وأرضاه الذي قرأ سورة الرحمن في منتدى مكة، المنتدى الجاهل الكافر المشرك يوم أتى ليسمعهم القرآن فضربوه حتى أدموه، وأخذ أبو جهل يعصر أذن ذلك الداعية ابن مسعود، ويلطمه على وجهه وهو لا يسكت، بل يرفع صوته بسورة الرحمن، ولكن أنصفه الله من الفاجر أبي جهل، فهو الذي احتز رأسه في معركة بدر وأتى يسحبه بأذنه، فيقول ﷺ: ﴿هذه بتلك﴾.
الرسول ﵊ كان أحلى لياليه أن يعيش مع القرآن، وهكذا الصحابة أيضاً، لم تشغلهم المؤلفات ولا الردود والمقولات، ولا الجرائد والمجلات، بل كان الكتاب الوحيد الذي يتشاغلون به هو القرآن، فإذا دخلت بيت المهاجري والأنصاري وجدت القرآن معلقاً في البيت ووجدت السيف بجانبه، سيف يفتح البلاد وقرآناً يفتح القلوب.
ولذلك في حديث أبي موسى أن الرسول ﷺ خرج يستمع قراءة أبي موسى وكان قد أوتي مزماراً من مزامير آل داود، أعجوبة في الصوت، يسري صوته إلى القلوب فيخاطب الأرواح مباشرة، فخرج ﷺ ووضع جسمه على مشرفة على المسجد، ومسجده قريبٌ من بيته ﷺ، فأخذ أبو موسى يقرأ، وفي الصباح قال ﵊: ﴿لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود﴾ ولقي أبو موسى فأخبره، فقال: ﴿لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود، قال: يا رسول الله! أئنك كنت تستمع لي؟ قال: إيه والذي نفسي بيده، قال: -وهذه رواية صحيحة-: والذي نفسي بيده، لو علمت أنك كنت تستمع لي لحبرته لك تحبيراً﴾ يعني: جودته وحسنته حتى يكون أكثر تأثيراً وإيصالاً وأكثر ذلك عجباً.
والقرآن كله عجب: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ [الجن:١] يقول سيد قطب ﵀: عجباً حتى الجن يتذوقون القرآن وهو ليس بلغتهم! ولذلك قالوا كما في سورة الأحقاف، كما حكى ﷾ عنهم: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاق:٢٩ - ٣١] فهؤلاء مؤمنو الجن، قد تفوقوا على كثيرٍ من الناس الذين لا يفقهون ولا يعلمون ولا يفهمون: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٣١ - ٣٢].
وكان هذا في وادي نخلة يوم عاش ﷺ ليلة القرآن، والحديث ولو أن بعض أهل العلم، قالوا: معضل في سنده، لما عاد ﷺ ودعا أهل الطائف فكذبوه وآذوه وشتموه، وليتهم يوم ردوه تركوه، لكن رموه بالحجارة، فلما عاد نزل في وادي نخلة بين الطائف ومكة، وشكى ﷺ حاله إلى الحي القيوم الذي ترتفع إليه الشكوى، ثم قام ﵊ يصلي، فأتى الجن -جن نصيبين كما عند ابن كثير وغيره- فلما استمعوا القرآن أسلموا وآمنوا: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ [الجن:١٩] ثم رجعوا منذرين إلى قومهم رافعين لا إله إلا الله محمد رسول الله.