دروس الشيخ عائض القرني
أقسام الحب
إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
اللهم صل وسلم على من بعثته هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً بإذن الله وسراجاً منيراً.
أمَّا بَعْد:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وإن كان من شكر فإني أشكر الله ﵎ على أن أجلسني بين أساتذة وطلبة علم ودعاة، ثم أشكر لأهل الفضل فضلهم: ﴿ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله ﵎﴾ فأشكر عميد هذه الكلية وهيئة التدريس، والأساتذة الدارسين، وأبدأ معكم موضوعي الذي هو: مفهوم الحب في الإسلام.
لقد جاء الإسلام فقنن وحدد العقائد والأفكار والتصورات والأخلاق، وضبطها ووجهها ولم يجعلها هملاً، وإنما هي موجهة من الواحد الأحد، فمن هذا المنطلق سوف نتكلم عن الحب وكيف وجهه الإسلام والرسول ﵊ ولم يتركه، لأن كثيراً من الناس ظنوا أنهم يحبوا من شاءوا وفي أي وقت شاءوا وهذا خطأ، وهل العقيدة والعبادة إلا حب؟!
وهذه المحاضرة تدور على ست مسائل:
أولها: المحبوبات عند الناس في القرآن الكريم
ثانيها: حب الكافر لغير الله ﷿.
ثالثها: ادعاء الحب, ومن ادعى الحب وكذب فيه.
رابعهاً: محبة الله ﷿ ومحبة رسوله ﷺ أعلى المطالب وأغلى المقاصد.
خامسها: علامة حب الله ﷿ والفاصل بين الذين يحبونه ولا يحبونه.
سادسها: هو الحب الرخيص الحقير التافه الذي هو شؤم وأذى ولعنة ومقت على أصحابه، وسوف نقف مع أهل الحب الرخيص الفنانين والفنانات، والمغنيين والمغنيات، وأين صرفوا حبهم؟! وماذا فعلوا بحبهم؟! وما هو جزاؤهم عند الله إن لم يتوبوا؟!.
ذكر الإمام البخاري: ﴿أن النبي ﷺ وقف على المنبر فتكلم -وهو يتكلم للناس في العقائد والعبادات- فلما انتصف ﷺ في حديثه وإذا بأعرابي يقاطعه فالتفت إليه ﷺ وقال: مالك؟ قال: متى الساعة؟ فسكت ﵊ فلما انتهى قال: ماذا أعددت للساعة؟ قال: يا رسول الله! والله ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة, ولكني أحب الله ورسوله, فقال ﵊: المرء يحشر مع من أحب﴾ قال الحسن البصري معلقاً على الحديث: لا يخدعنكم الحب فحسب, فوالله الذي لا إله إلا هو لقد أحب قوم عيسى بن مريم حتى تألهوه فأدخلهم حبه النار، فهو حب بلا عمل.
وروى الغزالي في الإحياء عن ابن عمر أنه قال: [[والله, لو أنفقت أموالي غلقاً غلقاً في سبيل الله، وصمت النهار لا أفطره، وقمت الليل لا أنامه ثم لقيت الله، وأنا لا أحب أهل الطاعة، ولا أكره أهل المعصية، لخشيت أن يكبني الله على وجهي في النار]] فمن هذا المنطلق جعل الرسول ﵊ الحب عقيدة، ففي سنن أبي داود بسند صحيح عنه ﷺ أنه قال: ﴿من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان﴾ فهذه عقيدة وتصور وميول فمن صرفه لغير الله فقد أساء وتعدى وظلم.
والحب على قسمين:
الأول: فطري جبلي.
الثاني: كسبي سببي.
فأما الفطري الجبلي: هو حب جُبِل عليه العبد في ذلك، منها: حب الرجل الطعام، وحبه الماء، وحبه لابنه وزوجته.
أما الكسبي السببي: فهو الإرادي الذي يحاسب الله عليه العبد إذا صرفه لغير مرضاة الله ﵎.
ونقف قليلاً مع سؤال وجه لشيخ الإسلام ابن تيمية وذكره ابن القيم في روضة المحبين.
قال السائل: لماذا يقول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥] كيف يأمرهم بذكره وقت الأزمات، أما هناك وقت للذكر إلا وقت مصارعة الأعداء والمقاتلة؟ قال ابن تيمية: إن المحبين يتشرفون بذكر محبوبيهم وقت الأزمات، أما سمعت لقول عنترة لما يقول لمحبوبته:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم
فكان الجاهليون يتمادحون لأنهم يذكرون محبيهم وقت القتال, فأراد الله أن يحول هذا المعتقد الآثم إلى ذكره في وقت الأزمات، ولذلك أفضل الذكر يوم يذكر العبد ربه وقت ملاقاته لقرنه أو مصارعه أو مبارزه.