İçeriğe geç

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Basılı sayfa ١٣٣/ ٥

أخذ العلم عن الصغير

الفائدة الأولى: في هذا الحديث هي: أخذ العلم عن أهله وإن صغروا في السن.

هذا استنباط من ابن حجر العسقلاني في فتح الباري، لأن ابن عباس ﵄ علم عبد الرحمن بن عوف القرآن، وعبد الرحمن بن عوف خير منه، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، فكان ابن عوف يتعلم القرآن على يد ابن عباس، وكم كان عمر ابن عباس آنذاك؟ كان دون الثلاثين، وكان يدخل مع أهل الشورى على عمر، ولا يدخل إلا من له سابقة في أهل الإسلام، إما من المبشرين بالجنة، أو من أهل بدر، أو من الذين لهم قدم صدق عند الله ﷿، حتى الفتح من الشيوخ الكبار، ما كانوا يدخلون أبداً مع عمر، ولذلك قال بعض الصحابة: كيف يدخل عمر الغلام ولنا أبناء مثله، قال ابن عباس: فدعاني عمر فعلمت أنه ما دعاني إلا ليعلمهم (فهمي) في القرآن، فقال للأنصار والمهاجرين وهم مجتمعون: ما تقولون في قوله ﷾: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:١ - ٣].

فأجاب كل بما يصلح ولم يصيبوا.

فقال: يـ ابن عباس! ما تقول فيها؟ قلت: أجل رسول الله ﷺ نعي له، فقال عمر: والله ما أعلم منها إلا ما تعلم أنت، فرضي الصحابة بمجلس ابن عباس.

وكان عبد الرحمن بن عوف من السادات في الإسلام، بل صلى إماماً بالرسول ﷺ كما في حديث المغيرة الصحيح، قال: ﴿خرجنا في غزاة -أي: غزوة- قال: فقمنا لصلاة الفجر، فذهب ﷺ يقضي حاجته فتأخر علينا فأقمنا للصلاة، فقال الناس لـ أبي بكر: تقدم فأبى، فقال الناس لـ عمر: تقدم فأبى، فقالوا لـ ابن عوف: تقدم، فتقدم فصلى بهم، فأتى رسول الله ﷺ وقد صلوا ركعة، وبقيت ركعة فأكملها، فلما سلموا استحيوا كثيراً وخجلوا من هذا الموقف، أن كان رسول البشرية ﷺ مأموماً وهم قد قدموا إماماً، فالتفت إليهم بعد أن سلم ﷺ، وقال وهو يتبسم: ﴿أصبتم وأحسنتم﴾.

دل ذلك على أنه ﷺ رضي بإمامة عبد الرحمن بن عوف وعبد الرحمن على جلالته في الإسلام، قدم ابن عباس وتعلم منه وتواضع له، وعمر ابن عوف آنذاك أكثر من خمسين سنة، وعمر ابن عباس ثمانية وعشرون سنة.

ولذلك يقول ابن القيم في بدائع الفوائد: يا أيها المسلم! لا تأنف من طلب العلم ولا من أخذ الحكمة والفائدة عن أي أحد كان، فإن سليمان بن داود ﵇ ما تكبر ولا استنكف على الهدهد حين أتى من أرض اليمن، فقال له سليمان: ماذا أخرك؟ قال: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ [النمل:٢٢] ثم سرد عليه القصة، وبدأ ينكر في مجلس سليمان على أهل الشرك شركهم، ويقول: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل:٢٣ - ٢٥].

فارتاح سليمان ﵇ لهذا الكلام وتواضع له، وما أنكر عليه، وعلم أن هذا الهدهد موحد، وأن تلك المرأة مشركة بالله الحي والقيوم.

ثم ذكر ابن القيم أن الرسول ﵊ قرأ القرآن على أبي بن كعب وأبي بن كعب سيد القراء إلى يوم القيامة، سنده موصول برب العالمين أخذ القرآن عن الرسول ﵊، وأخذ الرسول ﷺ القرآن عن جبريل، وأخذه جبريل ﵇ عن رب العالمين ﵎.

ولذلك في صحيح البخاري ﴿لما أنزل الله ﷿ قوله ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:١] قال جبريل: إن الله يأمرك أن تقرأ هذه السورة على أبي بن كعب، فذهب ﵊ إلى أبي المنذر -وهو خزرجي من زعماء الأنصار- فقال: يا أبا المنذر! قال: لبيك وسعديك يا رسول الله! قال: إن الله أمرني أن أقرأ عليك هذه السورة، قال: أو سماني في السماء ربي؟ قال: إي والله، فبكى أبي ﵁ وأرضاه وقرأ عليه رسول الله ﷺ هذه السورة﴾.

وفي صحيح مسلم، قال رسول الله ﷺ: ﴿يا أبا المنذر! -يعني: أبياً - أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥].

فضرب النبي ﷺ في صدره وقال: ليهنك العلم أبا المنذر!﴾.

وهذا من جلالته في الإسلام.

إذاً نستفيد من هذا الحديث: تواضع المسلم لأخيه إذا كان يلقي عليه فائدة، أو يتلقى منه حكمة، ولو كان أصغر منه سناً وأقل قدراً فإنه كما قال علي ﵁ وأرضاه: [[الحكمة ضالة المؤمن]] وبعض أهل العلم يرفع هذا إلى الرسول ﷺ ولا يصح.

وكذلك كان موسى ﵇ متواضعاً كما ورد في سيرته وترجمته ويكفي أن الله قص سيرته في القرآن، ويقول عن نفسه ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤].

ولذلك ذكروا أنه كان من أكثر الناس تواضعاً ﵇، حتى كان ابن عباس إذا قرأ في سورة القصص بكى وقال: رحم الله موسى، أتى أرض مدين في إزار من صوف ورداء من صوف، حتى اخضرت بطنه، من الخضار الذي ما وجد سواه أكلاً، ثم قال تحت الشجرة بعد أن سقى للجاريتين: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤].

وفي صحيح البخاري عندما قال رجل من بني إسرائيل: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال: لا، فأراد الله أن يخبره أن فوق كل ذي علم عليم، فأوحى الله إليه: بلى عبدنا الخضر أعلم منك -يقال: بأسرار أطلعه الله عليها- فقال موسى: لأرحلن إليه.

وهذه هي الرحلة في طلب الحديث وطلب العلم، وقد عقد البخاري باب: الرحلة في طلب العلم ثم أتى بهذا الحديث، فأعطى الله موسى ﵇ علامة، وهو المكتل أن يأخذ فيه حوتاً وكان غلامه يوشع بن نون معه، فإذا فقد الحوت فليعلم أن الخضر هناك، قال تعالى: ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً﴾ [الكهف:٦٢] فأخبره أنه فقده.

﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً﴾ [الكهف:٦٤] فوجد الخضر وهو جالس على ساحل البحر فسلم عليه.

فتعلم منه موسى، وتواضع له، وموسى أفضل منه، وأعلم بالله ﷾ منه، عند أهل السنة والجماعة.