دروس الشيخ عائض القرني
نبذة حول الحرمة والكراهة في الشرع
أما الفرق بين التحريم والكراهة:
فالحرام في الاصطلاح: ما يثاب تاركه ويعاقب فاعله.
وأما المكروه: فهو ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، هكذا عُرِّف.
والرسول ﵊ ملك زمام البلاغة بيده، فانظر كيف نوع ﵊! فإنه قال: ﴿إن الله حرم﴾ ثم قال: ﴿وكره لكم﴾ فلو قال ﷺ: إن الله حرم، ثم قال: إن الله حرَّم، كان في الأسلوب تكرار ينبو عنه السمع، ولذلك تجده ﷺ يقول مثلاً: ﴿إن الله كتب عليكم خمس صلوات، وفرض عليكم زكاة﴾ فلم يقل: كتب صلاة وكتب زكاة، فهذا مكرر تمجه الأسماع، فعدل ﵊ عن التحريم في الثانيه فقال: ﴿وكره لكم﴾
أمر آخر: إن المكروهات الثلاث في قوله: ﴿وكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال﴾ أقل خطورة من الثلاث الأولى التي ذكرها رسولنا ﵊.
ثم قال: ﴿عليكم﴾ والمخاطب به الأمة الإسلامية، أمة الاستجابة التي اتبعته ﵊، فإن المسلمين هم المخاطبون بفروع الشريعة، والكافر لا يخاطب بفروع الشريعة في قول لأهل العلم، ولو أنه ينكل ويعذب على تركه فروع الشريعة، ولكن المقصود بـ: ﴿عليكم﴾ أي: على الأمة، والمقصود بهم الذين حضروا هذا الخطاب منه ﵊ والذين لم يحضروا بحيث كانوا أحياءً وكانوا غيباً عن مجلسه، أو كانوا في أصلاب أمهاتهم، كمثلي ومثلك الآن، فإنا أتينا بعد أربعة عشر قرناً نتبعه ونحبه ونقتدي به ﵊، فهو يخبرنا بالخبر، وما زالت ألفاظه وأوامره ونواهيه فينا حية.
ثم قوله: ﴿إن الله حرم عليكم: عقوق الأمهات﴾ لم يقل الآباء والأمهات لأمرين:
الأمر الأول: عظم حق الأمهات، فإن حقهن عظيم، ولذلك قال بعض العلماء استنباطاً كالحافظ وغيره: للأم ثلاثة حقوق، وللأب حق واحد من الآداب والوقار والعطاء، ولذلك قال ﷺ كما في الصحيح لما سأله الرجل: ﴿من أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك.
قال: ثم من؟ قال: أمك.
قال: ثم من؟ قال: أبوك﴾ فجعل لها ثلاثة حقوق وجعل للأب حقاً واحداً، فهي بالنسبة للأب ثلاثة أرباع الحقوق، فأتى ﷺ بحق الأمهات؛ لأنهن أعظم حقاً وأعظم منزلة.
الأمر الثاني: اتساق العبارة في السجع الجميل غير المتكلف، فأراد ﷺ أن يقف على التاء، فقال: ﴿عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعاً وهات﴾ فوقف على التاء، ولو أتى بالآباء ﵊ ما وقف على سجعة، وهذا محله علم البلاغة.