Commentaries: 3 shown of 12 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾. يقولُ: في الصحفِ المطهرةِ كتبٌ مِن اللهِ قيِّمةٌ عادلةٌ مستقيمةٌ، ليس فيها خطأٌ؛ لأنها مِن عند اللَّهِ.
وبنحوَ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾: يذكُرُ القرآنَ بأحسنِ الذكرِ، ويُثْنى عليه بأحسنِ الثناءِ (١).
وقوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. يقولُ: وما تفرَّق اليهودُ والنصارى في أمرِ محمدٍ ﷺ، فكذَّبوا به، ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. يعنى: من بعدِ ما جاءت هؤلاء اليهودَ والنصارى ﴿الْبَيِّنَةُ﴾. يعنى: بيانُ أمرِ محمدٍ أنه رسولٌ بإرسالِ اللَّهِ إيَّاه إلى خَلْقِه. يقولُ: فلما بعَثه اللَّهُ تفرَّقوا فيه، فكذَّب به بعضُهم، وآمن بعضُهم، وقد كانوا قبلَ أنْ يُبْعَثَ غيرَ مُتفرِّقين فيه أنه نبيٌّ.
يقول تعالى ذكره: وما أمَر اللَّهِ هؤلاء اليهودَ والنصارى الذين هم أهلُ الكتابِ، إلَّا أن يعبدوا اللَّهَ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. يقولُ: مُفْرِدين له الطاعةَ، لا يَخْلِطون طاعتَهم ربَّهم بشركٍ. فأشرَكت اليهودُ بربِّها بقولهم: إنَّ عزيرًا ابنُ اللَّهِ. والنصارى بقولهم في المسيح مثلَ ذلك، وجحودهم نبوَّةَ محمدٍ ﷺ.
وقوله: ﴿حُنَفَاءَ﴾. وقد مضَى بيانُنا معنى "الحنيفيِّةِ" قبلُ بشواهدِه المُغْنيةِ عن إعادتها (٢)، غير أنَّا نذكُرُ بعض ما لم نذكُرْ قبلُ مِن الأخبارِ في ذلك.
أما أهل الكتاب فهم: اليهود والنصارى، والمشركون: عَبَدةُ الأوثان والنيران، من العرب ومن العجم.
وقال مجاهد: لم يكونوا ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ يعني: منتهين حتى يتبين لهم الحق (٥). وكذا قال قتادة (٦).
﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي: هذا القرآن؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾. ثم فسر البينة بقوله: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢)﴾ يعني: محمدًا ﷺ، وما يتلوه من القرآن العظيم، الذي هو مكتتب في الملأ الأعلى، في صحف مطهرة كقوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس].
وقوله: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾ قال ابن جرير: أي في الصحف المطهرة كتب من الله قيمة: عادلة مستقيمة، ليس فيها خطأ؛ لأنها من عند الله ﷿ (٧).
قال قتادة: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢)﴾ يذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليه بأحسن الثناء (١).
وقال ابن زيد: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾ مستقيمة معتدلة (٢).
وقوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾ كقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران] يعني بذلك: أهل الكتب المنزلة على الأُمم قبلنا، بعدما أقام الله عليهم الحجج والبينات تفرقوا واختلفوا في الذي أراده الله من كتبهم، واختلفوا اختلافًا كثيرًا، كما جاء في الحديث المروي من طرق: "إن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأُمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة". قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي" (٣).
وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ كقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء]؛ ولهذا قال: حنفاء؛ أي: مُتَحنفين عن الشرك إلى التوحيد. كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقد تقدم تقرير الحنيف في سورة "الأنعام" (٤) بما أغنى عن إعادته هاهنا.
﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ وهي أشرف عبادات البدن، ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ وهي الإحسان إلى الفقراء والمحاويج. ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أي: الملة القائمة العادلة، أو الأمة المستقيمة المعتدلة.
وقد استدل كثير من الأئمة، كالزهري والشافعي، بهذه الآية الكريمة على الأعمال داخلة في الإيمان؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾.
يخبر تعالى عن مآل الفجار، من كفرة أهل الكتاب، والمشركين المخالفين لكتب الله المنزلة وأنبياء الله المرسلة: أنهم يوم القيامة ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين، لا يحولون عنها ولا يزولون ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ أي: شر الخليقة التي برأها الله وذرأها.
ثم أخبر تعالى عن حال الأبرار -الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بأبدانهم- بأنهم خير البرية.
قوله ﷿: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعني اليهود والنصارى وَالْمُشْرِكِينَ أي:
ومن المشركين، وهم عبدة الأوثان مُنْفَكِّينَ أي: منفصلين وزائلين- يقال: فككت الشيء، فانفك، أي: انفصل- والمعنى: لم يكونوا زائلين عن كفرهم وشركهم حَتَّى تَأْتِيَهُمُ أي: أتتهم، فلفظه لفظ المستقبل، ومعناه الماضي. والْبَيِّنَةُ الرّسول، وهو محمّد ﷺ وذلك أنه بَيَّنَ لهم ضلالهم وجهلهم.
وهذا بيان عن نعمة الله على من آمن من الفريقين إذ أنقذهم. وذهب بعض المفسرين إلى أن معنى الآية:
لم يختلفوا أن الله يبعث إليهم نبياً حتى بعث فافترقوا. وقال بعضهم: لم يكونوا ليتركوا منفكين عن حجج الله حتى أُقيمت عليهم البَيِّنة، والوجه هو الأول. والرسول هاهنا محمّد ﷺ. ومعنى يَتْلُوا صُحُفاً أي: ما تضمنته الصحف من المكتوب فيها، وهو القرآن. ويدل على ذلك أنه كان يتلو القرآن عن ظهر قلبه لا من كتاب. ومعنى «مُطَهرة» أي: من الشرك والباطل. فِيها أي: في الصحف كُتُبٌ قَيِّمَةٌ أي: عادلة مستقيمة تُبِيِّن الحق من الباطل، وهي الآيات. قال مقاتل: وإنما قيل لها:
كتب لما جمعت من أمور شتّى.
قوله ﷿: وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني: من لم يؤمن منهم إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ وفيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه محمّد ﷺ. والمعنى: لم يزالوا مجتمعين على الإيمان به حتى بُعِث، قاله الأكثرون. والثاني: القرآن، قاله أبو العالية. والثالث: ما في كتبهم من بيان نُبُوَّتِهِ، ذكره الماوردي. وقال الزجاج: وما تَفَرَّقوا في كفرهم بالنبيِّ إلا من بعد أن تَبَيَّنوا أنه الذي وُعِدُوا به في كتبهم.
قوله ﷿: وَما أُمِرُوا أي: في كتبهم إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ. أي: إلا أن يعبدوا الله. قال الفراء: والعرب تجعل اللام في موضع «أن» في الأمر والإرادة كثيرا، كقوله ﷿: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ «١» ، ويُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ «٢» . وقال في الأمر: وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ «٣» .
قوله ﷿: مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي: موحِّدين لا يعبدون سواه حُنَفاءَ على دين إبراهيم وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ المكتوبة في أوقاتها وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ عند وجوبها وَذلِكَ الذي أُمروا به هو دِينُ الْقَيِّمَةِ قال الزجاج: أي دين الأمة القيِّمة بالحق. ويكون المعنى: ذلك الدِّينُ دين الملة المستقيمة «٤» .
قوله ﷿: أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ قرأ نافع، وابن ذكوان عن ابن عامر بالهمزة في الكلمتين وقرأ الباقون بغير همز فيهما. قال ابن قتيبة: البريَّة: الخلق. وأكثر العرب والقراء على ترك همزها لكثرة ما جرت عليه الألسنة، وهي فعيلة بمعنى مفعولة. ومن الناس من يزعم أنها مأخوذة من بَرَيْتُ العود، ومنهم من يزعم أنها من البَرَى وهو التراب أي خلق من التراب، وقالوا: لذلك لا يهمز، وقال الزّجّاج:
لو كانت من البَرَي وهو التَراب لما قرنت بالهمز، وإنما اشتقاقها من بَرَأ الله الخلق، وقال الخطابي:
أصل البريَّة الهمز، إلا أنهم اصطلحوا على ترك الهمز فيها. وما بعده ظاهر إلى قوله ﷿: ﵃ قال مقاتل: ﵃ بطاعته وَرَضُوا عَنْهُ بثوابه. وكان بعض السلف يقول: إذا كنت لا ترضى عن الله، فكيف تسأله الرضى عنك؟! قوله ﷿: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ أي خافه في الدنيا، وتناهى عن معاصيه «٥» .
Footnotes are the editor's words, not the author's.