تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: يَحْلِفُ لكم، أيُّها المؤمنون باللهِ، هؤلاء المنافِقون؛ اعتذارًا بالباطلِ والكذِب؛ ﴿لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. يقولُ: فإن أنتم، أيّها المؤمنون، رَضِيتم عنهم وقبِلتم مَعذرتَهم، إذ كنتم لا تَعلَمون صِدقَهم من كذبِهم، فإن رضاكم عنهم غيرُ نافعِهم عندَ اللهِ؛ لأن الله يَعْلَمُ من سرائرِ أمرِهم ما لا تَعْلَمون، ومن خَفِيِّ اعتقادِهم ما تَجْهَلون، وأنهم على الكفرِ باللهِ [مقيمون. وقوله: (الفاسقين)] (٤) يعنى: أنهم الخارجون من الإيمانِ إلى الكفرِ باللهِ، ومن الطاعةِ إلى المعصيةِ.
ص ١١/ ٦٣٢
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: الأعرابُ أشدُّ جُحودًا لتوحيدِ اللهِ، وأشدُّ نفاقًا من أهلِ الحَضَرِ في القرى والأمصارِ. وإنما وصفَهم، جل ثناؤه، بذلك لجفائِهم وقسوةِ قلوبِهم، وقلةِ مُشاهدتِهم لأهلِ الخيرِ، فهم (١) لذلك أقْسَى قلوبًا، وأقلُّ علمًا بحقوقِ اللهِ.
وقولهُ: ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾. يقولُ: وأَخلَقُ أن لا يَعلَموا حدودَ ما أنزلَ اللهُ على رسولِه، وذلك فيما قال قتادةُ: السُّنَنُ.
حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾. قال: هم أقلُّ عِلمًا بالسُّننِ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن مَغراءَ (٣)، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: جَلَسَ أعرابيٌّ إلى زيدِ بن صُوحانَ وهو يُحدِّثُ أصحابَه - وكانت يدُه قد أُصيبت يومَ نهاوندَ - فقال: واللهِ إن حديثَك ليُعجِبُني، وإن يدَك لتُريبُني. فقال زيدٌ: وما يُريبُك من يدى؟ إنها الشَّمالُ. فقال الأعرابيُّ: واللهِ ما أدرى، اليمينَ يَقطعون أمِ الشمالَ؟ فقال زيدُ بنُ صُوحانَ: صَدَقَ اللهُ: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (٤).

