تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ادْعُ الله لهؤلاء المنافقينَ الذين وَصَفَ صفاتِهم في هذه الآياتِ، بالمغفرةِ، أو لا تَدْعُ لهم بها.
وهذا كلامٌ خَرَجَ مَخرجَ الأمرِ، وتأويلُه الخبرُ (٣)، ومعناه: إن استغفرتَ لهم يا محمدُ أو لم تستغفِرْ لهم، فلن يغفِرَ اللهُ لهم.
[وقولُه: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾] (٤). يقولُ: إن تسألْ لهم أن تُسْتَرَ عليهم ذنوبُهم بالعفوِ منه لهم عنها، [وتَرْكِ فضيحتِهم بها، فلن يَسْتُرَ اللهُ عليهم، ولن يعفو لهم عنها] (٤)، ولكنهم يفضحُهم بها على رءوسِ الأشهادِ يومَ القيامةِ، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: هذا الفعلُ مِن اللهِ لهم (٥)، وهو تركُ عَفْوِه لهم عن ذنوبِهم؛ من أجلِ أنهم جَحَدوا توحيدَ
[— بداية ص ١١/ ٥٩٩، page_id=7974 —]
اللهِ ورسالةَ رسولِه، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. يقولُ: واللهُ لا يوفِّقُ للإيمانِ به وبرسولِه مَن آثرَ الكفرَ به، والخروجَ عن طاعتِه على الإيمانِ به وبرسولِه.
ويُرْوَى عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه حينَ نَزَلَت هذه الآيةُ، قال: "لأزِيدَنَّ في الاستغفارِ لهم على سبعين مرةً"؛ رجاءً منه أن يغفِرَ اللهُ لهم، فنَزَلَت: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (١) [المنافقون: ٦].
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدةُ بنُ سليمانَ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه، أن عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ ابنَ سلولَ قال لأصحابِه: لولا أنكم تُنْفِقون على محمدٍ وأصحابِه لانْفَضُّوا مِن حولِه. وهو القائلُ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]. فأنزَل اللهُ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. قال النبيُّ ﷺ: "لأَزِيدَّ على السبعين". فأنزَل اللهُ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، فأبَى اللهُ ﵎ أن يغفرَ لهم (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن مُغِيرةَ، عن شِباكٍ (٣)، عن الشعبيِّ، قال: دَعا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بن أبيٍّ ابن سلولَ النبيَّ ﷺ إلى جنازةِ أبيه، فقال له النبيُّ ﷺ: "مَن أنت؟ ". قال: الحُبابُ بنُ عبدِ اللهِ بن أبيٍّ. فقال له النبيُّ: ﷺ: "بل أنتَ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بن أُبيٍّ ابن سلولَ؛ إن الحُبابَ هو الشيطانُ". ثم قال النبيُّ ﵊: "إنه قد قِيل لى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، فأنا أستغفِرُ لهم سبعين وسبعين

