تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ألم يعلمْ هؤلاء المنافقون الذين يَحْلِفون باللهِ كذبًا للمؤمنين ليُرْضُوهم، وهم مُقيمون على النفاقِ، أنه مَن يُحاربِ الله ورسولَه، ويُخالفهما فيُناوِئْهما بالخلافِ عليهما، ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ في الآخرةِ، ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾. يقولُ: لابِثًا فيها، مُقِيمًا إلى غيرِ نهايةٍ. ﴿ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾. يقولُ: فلُبْثُه في نارِ جهنمَ وخلودُه فيها هو الهوانُ والذلُّ العظيمُ.
وقرأت القرآةُ: ﴿فَأَنَّ﴾ بفتحِ "الألف" مِن "أَنَّ"، بمعنى: ألم يَعْلَموا أَنَّ لَمَن حادَّ الله ورسولَه نارَ جهنمَ. وإعمالِ ﴿يَعْلَمُوا﴾ فيها، كأَنهم جَعَلُوا "أَنَّ" الثانيةَ مُكَرَّرةً على الأولى، واعْتَمَدوا عليها؛ إذ كان الخبرُ معها دونَ الأولى.
[— بداية ص ١١/ ٥٤١، page_id=7916 —]
وقد كان بعضُ نَحْويِّى البصرة يختارُ الكسرَ في ذلك على الابتداءِ؛ بسببِ دخولِ "الفاءِ" فيها، وأن دخولَها فيها عندَه دليلٌ على أنها جوابُ الجزاءِ، وأنها إذا كانت [جوابَ الجزاءِ] (١)، كان الاختيارُ فيها الابتداءَ.
والقراءةُ التي لا أَسْتَجِيزُ غيرَها فتحُ الألفِ في كلا الحرفَين - أعنى "أنّ" الأولى والثانيةَ - لأن ذلك قراءةُ الأمصارِ، وللعِلَّة التي ذكرتُ من جهة العربيةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: يَخْشَى المنافقون أن تَنزِلَ فيهم سورةٌ ﴿تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ: تُظهِرُ المؤمنين على ما في قلوبِهم.
وقيل: إن الله أنزَل هذه الآيةَ على رسولِ اللهِ ﷺ؛ لأن المنافقين كانوا إذا عابوا رسول اللهِ ﷺ وذكروا شيئًا مِن أمره وأمرِ المسلمين، قالوا: لعل الله لا يُفْشِى سِرَّنا. فقال اللهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ لهم: ﴿اسْتَهْزِئُوا﴾. مُتَهَدِّدًا لهم مُتَوَعِّدًا، ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا (¬٢) تَحْذَرُونَ﴾.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾. قال: يقولون القولَ (٣)