تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: وقولُه جل وعز: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾. يقولُ: وأمَّا إذا ما امتحنه ربُّه بالفقرِ، ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾. يقولُ: فضيَّق عليه رزْقَه وقَتَّره، فلم يُكْثِر مالَه، ولم يُوسِعْ عليه، ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾. يقولُ: فيقولُ ذلك الإنسانُ: ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾. يقولُ: أَذلَّنى بالفقرِ، ولم يشْكُرِ الله على ما وهب له من سلامةِ جوارحِه، ورزَقه من العافيةِ في جسمِه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ
ص ٢٤/ ٣٧٧
فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾: ما أسرعَ كفرَ ابن آدمَ.
حدَثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه ﷿: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾. قال: ضَيَّقه (١).
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾؛ فقرأت عامةُ قرأةِ الأمصارِ ذلك بالتخفيفِ: ﴿فَقَدَرَ﴾ بمعنى: فَقَتَر (٢)، خلا أبي جعفرٍ القارئِ؛ فإنه قرَأ ذلك بالتشديدِ: (فَقَدَّرَ) (٣). وذُكِر عن أبي عمرِو بن العلاءِ أنه كان يقولُ: قدَّر، بمعنى: يُعْطِيه ما يَكْفِيه. ويقولُ: لو فعَل ذلك به ما قال: ربِّي أهاننى.
والصوابُ من قراءةِ ذلك عندَنا بالتخفيفِ (٤)؛ لإجماعِ الحجَّةِ مِن القرأةِ عليه.
وقولُه: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿كَلَّا﴾. في هذا الموضعِ، وما الذي أنكَر بذلك؛ فقال بعضُهم: أنكَر جلَّ ثناؤُه أن يكونَ سببُ كرامتِه من أكرم كثرةَ مالِه، وسببُ إهانتِه مَن أهان قلةَ مالِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾: ما أسرعَ ما كفَرَ ابنُ آدمَ! يقولُ اللهُ جَلَّ ثناؤُه: كلا، إني لا أُكْرِمُ مَن أكرمتُ بكثرةِ الدنيا، ولا أُهينُ مَن أهنْتُ بقلتِها، ولكن إنما أُكْرِمُ مَن أكرمْتُ بطاعتِى، وأُهينُ مَن أهنْتُ بمعصيتِى.

