تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
إلا ما شاءَ اللهُ أن تَتْرُكَ العملَ به، مما نَنْسَخُه.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ في ذلك (١): لم يشَأ اللهُ أن يَنْسَى (٢) شيئًا، وهو كقولِه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، ولا يشاءُ. قال: وأنت قائلٌ في الكلامِ: لأُعطِيَنَّك كلَّ ما سألتَ إلا ما شِئتُ، وإلا أنْ أَشاءَ أنْ أمنعَك. والنِّيَّةُ أنْ لا تمنعَه، ولا تشاءَ شيئًا. قال: وعلى هذا مَجارى الأيمانِ، يُسْتَثْنى فيها، ونيةُ الحالفِ التَّمامُ (٣).
والقولُ الذي هو أَوْلَى بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: معنى ذلك: فلا تَنْسَى إلا أن نشاء نحنُ أَنْ نُنْسِيَكَه بنسخِه ورفعِه.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنَّ ذلك أظهرُ مَعانِيه.
وقولُه: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ الله يعلمُ الجهرَ يا محمدُ من عملِك، ما أظهَرْتَه وأعلَنْته، ﴿وَمَا يَخْفَى﴾. يقولُ: وما تُخْفِى (٤) منه فلم تُظْهِرْه مما كَتَمْتَه. يقولُ: هو يعلمُ جميعَ أعمالِك، سرَّها وعلانِيَتَها. يقولُ: فاحْذَرُه أَن يَطَّلِعَ عليك وأنت عاملٌ في حالٍ مِن أحوالِك بغيرِ الذي أَذِن لك به.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)
[— بداية ص ٢٤/ ٣١٧، page_id=16261 —]
سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ونُسهِّلُك يا محمدُ لعملِ الخيرِ وهو اليُسْرَى. واليُسْرَى هو الفُعْلَى مِن اليُسْرِ.
وقولُه: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فذكِّرْ عبادَ اللَّهِ يا محمدُ عظمتَه، وعِظْهُمْ، وحذِّرْهم عقوبتَه، ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾. يقولُ: إِنْ نفَعتِ الذِّكرى الذين قد أَيَسْتُك مِن إيمانِهم، فلا تنفعُهم الذِّكرى.
وقولُه: ﴿فَذَكِّرْ﴾. أمرٌ مِن اللهِ لنبيِّه ﷺ بتذكيرِ جميعِ الناسِ. ثم قال: إنْ نفعتِ الذكرى هؤلاء الذين قد آيَسْتُك مِن إيمانِهم.
وقولُه: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: سيذَّكَّرُ يا محمدُ، إذا ذَكَرْتَ الذين أمَرْتُك بتذكيرِهم، مَن يخشى الله ويخافُ عقابَه،
﴿وَيَتَجَنَّبُهَا﴾. يقولُ: ويتجنَّبُ الذِّكرى ﴿الْأَشْقَى﴾. يعنى: أشقى الفريقينِ: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾. وهم الذين لم تَنْفعْهم الذِّكْرى.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾: فاتَّقُوا اللَّهَ، ما خَشِى اللَّهَ عبدٌ قطُّ إلا ذَكَّره، ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾: فلا واللهِ لا [يَتَنَكَّبُ عبدٌ هذا] (١) الذَّكْرَ زُهدًا فيه وبُغْضًا لأهلِه،