Commentaries: 3 shown of 14 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا أبو عبيدٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن الحسنِ أنه كان يقرَؤها: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ مشدَّدةً، ويقولُ: إلَّا عليها حافظٌ. وهكذا كلُّ شيءٍ في القرآنِ بالتثقيلِ.
[— بداية ص ٢٤/ ٢٩١، page_id=16235 —]
وقرَأ ذلك من أهل المدينة نافع، ومن أهل البصرة أبو عمرٍو: (لَمَا) بالتخفيفِ (١)، بمعنى: إنْ كلُّ نفسٍ لعليها حافظٌ. وعلى أنَّ اللَّامَ جوابُ "إن"، و "ما" التي بعدَها صلةٌ. وإذا كان ذلك كذلك لم يكنْ فيه تشديدٌ.
والقراءةُ التي لا أختارُ غيرَها في ذلك التخفيفُ (٢)؛ لأنَّ ذلك هو الكلامُ المعروفُ مِن كلامِ العربِ، وقد أنكَر التشديدَ جماعةٌ مِن أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ، أن يكونَ معروفًا مِن كلامِ العربِ، غيرَ أنَّ الفرّاءَ (٣) كان يقولُ: لا نعرِفُ جهةَ التثقيلِ في ذلك، ونَرى أنها لغةٌ في هُذَيلٍ، يجعلون "إلا" مع "إن" المخففةِ: "لَمَّا"، ولا يجاوِزون ذلك، كأنه قال: ما كلُّ نفسٍ إلَّا عليها حافظٌ. فإن كان صحيحًا ما ذكَر الفرّاءُ مِن أنَّها لغةُ هُذَيلٍ، فالقراءةُ بها جائزةٌ صحيحةٌ، وإن كان الاختيارُ أيضًا إذا صحَّ ذلك عندَنا - القراءة الأخرى، وهى التخفيفُ؛ لأنَّ ذلك هو المعروفُ مِن كلامِ العربِ، ولا ينبغى أنْ يُتْرَكَ الأعرفُ إلى الأنكرِ.
وقد حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا أبو عبيدٍ، قال: ثنا معاذٌ، عن ابن عونٍ، قال: قرأتُ عند ابن سيرين: هو ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. فأنكَره، وقال: سبحانَ الله! سبحانَ اللهِ!
فتأويلُ الكلام إذن: إن كلُّ نفس لعليها حافظٌ من ربِّها، يحفظُ عملَها، ويُحصِى عليها ما تَكتسِبُ مِن خيرٍ أو شرٍّ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
ابن كثيرd. 774 AHPrinted page: 7/ 537
إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾ أي: كل نفس عليها من الله حافظ يحرسها من الآفات كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥)﴾؟ تنبيه للإنسان على ضعف أصله الذي خلق منه وإرشاد له إلى الاعتراف بالمعاد؛ لأن من قدر على البداءة فهو قادر على الإعادة بطريق الأولى كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧].
وقوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ يعني المني يخرج دفقًا من الرجل والمرأة، فيتولد منهما الولد، بإذن الله ﷿، ولهذا قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ يعني: صلب الرجل وترائب المرأة وهو صدرها.
وقال شبيب بن بشر: عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ صلب الرجل وترائب المرأة أصفر رقيق لا يكون الولد إلا منهما (٣)، وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي وغيرهم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أُسامة، عن مسعر، سمعت الحكم ذكر عن ابن عباس ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ قال: هذه الترائب، ووضع يده على صدره (٤).
وقال الضحاك وعطية، عن ابن عباس: تريبة المرأة: موضع القلادة (٥)، وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير (٦).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الترائب بين ثدييها (٧).
وعن مجاهد: الترائب: ما بين المنكبين إلى الصدر (٨)، وعنه أيضًا: الترائب: أسفل من التراقي (٩).
وعن سعيد بن جبير: الترائب أربعة أضلاع من هذا الجانب الأسفل (٢).
وعن الضحاك: الترائب بين الثديين والرجلين والعينين.
وقال الليث بن سعد: عن معمر بن أبي حبيبة المدني أنه بلغه في قول الله ﷿: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ قال: هو عصارة القلب من هناك يكون الولد (٣).
وعن قتادة: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ من بين صلبه ونحره (٤).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨)﴾ فيه قولان:
(أحدهما): على رجع هذا الماء الدافق، إلى مقره الذي خرج منه لقادر على ذلك. قاله مجاهد وعكرمة وغيرهما (٥).
(والقول الثاني): إنه على رجع هذا الإنسان المخلوق من ماء دافق؛ أي: إعادته وبعثه إلى الدار الآخرة لقادر؛ لأن من قدر على البداءة قدر على الإعادة، وقد ذكر الله ﷿ هذا الدليل في القرآن في غير ما موضع، وهذا القول قال به الضحاك (٦) واختاره ابن جرير ولهذا قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ أي: يوم القيامة تبلى فيه السرائر؛ أي: تظهر وتبدو ويبقى السر علانية والمكنون مشهورًا، وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "يرفع لكل غادر لواء عند استه، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان" (٧).
وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُ﴾ أي: الإنسان يوم القيامة ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾: أي في نفسه ﴿وَلَا نَاصِرٍ﴾ أي: من خارج منه؛ أي: لا يقدر على أن ينقذ نفسه من عذاب الله ولا يستطيع له أحد ذلك.
قوله ﷿: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ قال ابن قتيبة: الطارق: النجم، سمي بذلك، لأنه يطرق، أي:
يطلع ليلاً، وكل من أتاك ليلاً، فقد طرقك، ومنه قول هند ابنة عتبة:
نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق
تريد: إن أبانا نجم في شرفه وعلوّه.
قوله ﷿: وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ قال المفسّرون: وذلك أن هذا الاسم يقع على كل ما طرق ليلا، فلم يكن النبيّ ﷺ يدري ما المراد به حتى تبينه بقوله عزّ من قائل: النَّجْمُ الثَّاقِبُ يعني:
المضيء، كما بيَّنا في الصافات»
وفي المراد بهذا النجم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه زحل، قاله عليّ ﵁. وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس قال: هو زحل، ومسكنه في السماء السابعة لا يسكنها غيره من النجوم، فإذا أخذت النجومُ أمكنتَها من السماء، هبط، فكان معها، ثم رجع إلى مكانه من السماء السابعة، فهو طارق حين ينزل، وطارق حين يصعد. والثاني: أنه الثريا، قاله ابن زيد. والثالث:
أنه اسم جنس، ذكره علي بن أحمد النّيسابوريّ.
قوله ﷿: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ وقرأ أُبَيُّ بن كعب، وأبو المتوكل «إنَّ» بالتشديد «كلَّ» بالنصب لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ وقرأ أبو جعفر، وابن عامر، وعاصم وحمزة، وأبو حاتم عن يعقوب «لمَّا» بالتشديد وقرأ الباقون بالتخفيف. قال الزجاج: هذه الآية جواب القسم، ومن خفف فالمعنى: لَعَلَيْها حافظ و «ما» ومن شدد، فالمعنى: إلا، قال: فاستعملت «لما» في موضع «إلا» في موضعين: أحدهما: هذا.
والآخر: في باب القسم. تقول: سألتك لما فعلت، بمعنى: إلا فعلت. قال المفسرون: المعنى: ما
[— بداية ص ٤/ ٤٢٩، page_id=2191 —]
من نفس إلا عليها حافظ. وفيه قولان: أحدهما: أنهم الحفظة من الملائكة، قاله ابن عباس. قال قتادة: يحفظون على الإنسان عمله من خير أو شر. والثاني: حافظ يحفظ الإنسان حتى حين يسلِّمه إلى المقادير، قاله الفرّاء. ثم نبّه على البعث ب قوله ﷿: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ أي: من أي شيء خلقه ربّه؟ والمعنى: فلينظر نظر التفكُّر والاستدلال ليعرف أن الذي ابتدأه من نطفة قادرٌ على إعادته.
قوله ﷻ: مِنْ ماءٍ دافِقٍ قال الفراء: معناه: مدفوق، كقول العرب. سرٌّ كاتم، وهمٌ ناصب، وليلٌ نائم، وعيشة راضية. وأهل الحجاز يجعلون المفعول فاعلاً. قال الزجاج: ومذهب سيبويه وأصحابه أن معناه النسب إلى الاندفاق، والمعنى: من ماءٍ ذي اندفاق.
قوله ﷿: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وقرأ ابن مسعود، وابن سيرين، وابن السميفع، وابن أبي عبلة «الصلب» بضم الصاد، واللام جميعاً. يعني: يخرج من صلب الرجل وترائب المرأة. قال الفراء:
يريد يخرج من الصلب والترائب. يقال: يخرج من بين هذين الشيئين خير كثير. بمعنى: يخرج منهما.
وفي «الترائب» ثلاثة أقوال: أحدها: أنه موضع القلادة، قاله ابن عباس. قال الزجاج: قال أهل اللغة أجمعون: التّرائب: موضع القلادة من الصّدر، وأنشدوا لامرئ القيس:
قرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي: السجنجل: المرآة بالرومية. وقيل: هي سبيكة الفضة، وقيل: السجنجل: الزعفران، وقيل: ماء الذهب. ويروى البيت: «بالسجنجل» . والثاني: أن الترائب:
اليدان والرجلان والعينان، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. والثالث: أنها أربعة أضلاع من يمنة الصدر، وأربعة أضلاع من يسرة الصدر، حكاه الزّجّاج.
قوله ﷿: إِنَّهُ الهاء كناية عن الله ﷿ عَلى رَجْعِهِ الرجع: رد الشيء إلى أول حاله.
وفي هذه الهاء قولان: أحدهما: أنها تعود على الإنسان. ثم في المعنى قولان: أحدهما: أنه على إعادة الإنسان حياً بعد موته قادر، قاله الحسن، وقتادة. قال الزّجّاج: ويدل على هذا القول قوله ﷿: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ. والثاني: أنه على رجعه من حال الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة قادر، قاله الضّحّاك. والقول الثاني: أنها تعود على الماء. ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال: أحدها: رد الماء في الإحليل، قاله مجاهد. والثاني: على رده في الصلب، قاله عكرمة، والضحاك. والثالث: على حبس الماء فلا يخرج، قاله ابن زيد.
قوله ﷿: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ تختبر السرائر التي بين العبد وبين ربه حتى يظهر خيرها من شرها، ومؤدِّيها من مضيِّعها، فإن الإنسان مستور في الدنيا، لا يُدري أصلى، أم لا؟ أتوضأ، أم لا؟ فإذا كان يوم القيامة أبدى الله كل سِرٍّ، فكان زَيْناً في الوجه، أو شَيْناً. وقال ابن قتيبة: تختبر سرائر القلوب.
Footnotes are the editor's words, not the author's.