Skip to content

Tafsir of Al-Anfal 8:59

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾

سورة الأنفال (59)
Commentaries: 3 shown of 13 indexed for this verse
Choose up to 3 to read side by side

Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.

Browse the Qur'an & Tafsir shelf

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري d. 310 AH Printed page: 11/ 241

وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩)﴾.

اخْتَلَفَت القرَأَةُ في قراءة ذلك؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: (ولا تَحْسَبَنَّ الذين كَفَروا سَبَقُوا إنهم). بكسرِ الألف من "إنهم" وبالتاءِ في: "تحسبن"، بمعنى: ولا تَحْسَبَنَّ يا محمدُ الذين كفَروا سبَقونا، ففاتونا بأنفسِهم، ثم ابْتُدِئ الخبرُ عن قدرةِ اللَّهِ عليهم، فقيل: إن هؤلاء الكفَرةَ لا يُعْجِزون ربَّهم إذا طلَبَهم وأراد تعذيبَهم وإهلاكَهم بأنفسِهم، فيَفُوتوه بها.

وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالياءِ في "يَحْسَبَنَّ"، وكسرِ الألفِ من ﴿إِنَّهُمْ﴾ (٣). وهي قراءةٌ غيرُ حميدةٍ لمعنيين؛ أحدُهما: خروجُها (٤) مِن قراءةِ القرأةِ وشذوذُها عنها، والآخرُ: بُعْدُها مِن فصيحِ كلامِ العربِ، وذلك أن "يَحْسَبُ": يَطْلُبُ في كلامِ العربِ منصوبًا وخَبَرَه كقولِه: عبدُ (٥) اللَّهِ يَحْسَبُ (٦) أخاك قائمًا ويقومُ وقام. فقارئُ هذه القراءةِ أَصْحَبَ

ص ١١/ ٢٤٢

"يَحْسَبُ" خبرًا الغير مُخبَرٍ عنه مذكورٍ، وإنما كان مراده - ظنِّي (١) -: ولا يَحْسَبَنَّ الذين كفَروا سبَقوا إنهم لا يُعْجِزوننا، فلم يُفَكِّرْ في صوابِ مَخْرَجِ الكلامِ وسُقْمِه، واسْتَعْمَل في قراءتِه ذلك كذلك ما ظهَر له مِن مفهومِ الكلامِ، وأحْسَبُ أن الذي دعاه إلى ذلك الاعتبارُ بقراءةِ عبدِ اللَّهِ، وذلك أنه فيما ذُكر في مصحفِ عبدِ اللَّهِ: (ولا يَحْسَبَنَّ الذين كفروا أنهم سبقوا إنهم لا يعجزون) (٢). وهذا فصيحٌ صحيحٌ إذا أُدْخِلَت "أنهم" في الكلامِ؛ لأن "يَحْسَبَنَّ" عاملةٌ في "أنهم". وإذا لم يَكُنْ في الكلام "أنهم" كانت خاليةً من اسمٍ تَعْمَلُ فيه.

وللذى قرَأ (٣) ذلك مِن القرأةِ وجهانِ في كلامِ العربِ، وإن كانا بعيدَيْن مِن فصيحِ كلامِهم؛ أحدُهما: أن يَكونَ أُرِيدَ به: ولا يَحْسَبَنَّ الذين كفَروا أن سبَقوا، أو أنهم سبَقوا. ثم حذَف "أن وأنهم"، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤]. بمعنى: أن يُرِيَكم. وقد يُنْشَدُّ في نحوِ ذلك بيتٌ لذي الرُّمَّةِ (٤):

أَظَنَّ (٥) ابن طُرْثُوثٍ عُتَيْبَةُ (٦) ذاهبًا … بعادِيَّتِي (٧) تَكْذابه وجَعَائِلهْ (٨)

بمعنى: أَظَنَّ ابْنُ طُرْثُوثٍ أَن يَذْهَبَ بِعادِيَّتى تكذابه وجَعائِلُه؟ وكذلك قراءةُ

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير d. 774 AH Printed page: 4/ 223

وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾.

يقول تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ يا محمد ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ أي: فاتونا، فلا نقدر عليهم بل هم تحت قهر قدرتنا، وفي قبضة مشيئتنا، فلا يعجزوننا، كقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)﴾ [العنكبوت] أي: يظنون، وقوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)﴾ [النور] وقوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾ [آل عمران]

ثم أمر تعالى، بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة، فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ أي: مهما أمكنكم ﴿مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾.

قال الإمام أحمد: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي علي ثمامة بن شفيّ، أخي عقبة بن عامر، أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي" (٣). رواه مسلم، عن هارون بن معروف، وأبو داود عن سعيد بن منصور، وابن ماجه عن يونس بن عبد الأعلى، ثلاثتهم عن عبد الله بن وهب به (٤). ولهذا الحديث طرق أخر، عن عقبة بن عامر، منها ما رواه الترمذي من حديث صالح بن كيسان، عن رجل عنه، وروى الإمام أحمد وأهل السنن عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "ارموا واركبوا وأن ترموا خير من أن تركبوا" (٥).

ص ٤/ ٢٢٤

وقال الإمام مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وِزر، فأما الذي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لها في مَرج أو روضة، فما أصابت في طيلها ذلك من المرج (١) أو الروضة، كانت له حسنات ولو أنها قطعت طيلها (٢)، فاستنت (٣) شرفًا (٤) أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرّت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقي به، كان ذلك حسنات له، فهي لذلك الرجل أجر، ورجل ربطها تغنيًا وتعففًا، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي له ستر، ورجل ربطها فخرًا ورياء ونواء، فهي على ذلك وزر" وسئل رسول الله ﷺ عنِ الحمر، فقال: "ما أنزل الله عليّ فيها شيئًا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة] (٥) رواه البخاري وهذا لفظه، ومسلم كلاهما من حديث مالك (٦).

وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، أخبرنا شريك، عن الرُّكين بن الربيع، عن القاسم بن حسان، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ، قال: "الخيل ثلاثة، ففرس للرحمن، وفرس للشيطان، وفرس للإنسان، فأما فرس الرحمن فالذي يربط في سبيل الله، فعلفه وروثه وبوله - وذكر ما شاء الله - وأما فرس الشيطان، فالذي يقامر أو يراهن عليها، وأما فرس الإنسان، فالفرس يربطها الإنسان يلتمس بطنها، فهي له ستر من الفقر" (٧).

وقد ذهب أكثر العلماء، إلى أن الرمي أفضل من ركوب الخيل، وذهب الإمام مالك، إلى أن الركوب أفضل من الرمي، وقول الجمهور أقوى للحديث، والله أعلم.

وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج وهاشم، قالا: حدثنا ليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة، أن معاوية بن خديج، مرّ على أبي ذرٍّ وهو قائم عند فرس له، فسأله ما تعاني من فرسك هذا؟ فقال: إني أظن أن هذا الفرس قد استجيب له دعوته، قال: وما دعاء بهيمة من البهائم؟ قال: والذي نفسي بيده، ما من فرس إلا وهو يدعو كل سحر، فيقول: اللَّهم أنت خولتني عبدًا من عبادك، وجعلت رزقي بيده، فاجعلني أحبَّ إليه من أهله وماله وولده (٨).

زاد المسير في علم التفسير

ابن الجوزي d. 597 AH Printed page: 2/ 220

وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩)

قوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم «ولا تحسِبن» بالتاء وكسر السين إلا أن عاصماً فتح السين. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص عن عاصم: بالياء وفتح السين. وفي الكافرين ها هنا قولان: أحدهما: جميع الكفار، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنهم الذين انهزموا يوم بدر، ذكره محمد بن القاسم النحوي وغيره.

و «سبقوا» بمعنى فاتوا. قال ابن الأنباري: وذلك أنهم أشفقوا من هلكة تنزل بهم في بعض الأوقات فلما سلموا منها، قيل: لا تحسبنّ أنهم فاتونا بسلامتهم الآن، فانهم لا يعجزونا، أي: لا يفوتونا فيما يستقبلون من الأوقات.

قوله تعالى: إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ قرأ الجمهور: بكسر الألف. وقرأ ابن عامر: بفتحها وعلى قراءته اعتراض. لقائل أن يقول: إذا كان قد قرأ «يحسبن» بالياء، وقرأ «أنهم» بالفتح، فقد أقرَّهم على أنهم لا يُعجزون ومتى علموا أنهم لا يعجزون، لم يلاموا. فقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال:

المعنى: «لا يحسبن الذين كفروا سبقوا» لا يَحسِبُنَّ أنهم يعجزون و «لا» زائدة مؤكدة. وقال أبو علي:

المعنى: لا يحسبنَّ الذين كفروا أنفسَهم سبقوا وآباءَهم سبقوا، لأنهم لا يفوتون، فهم يُجزَون على كفرهم.

وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠)

ص ٢/ ٢٢١

قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ في المراد بالقوة أربعة اقوال «١» :

(٦٥٥) أحدها: أنها الرمي، رواه عقبة بن عامر عن رسول الله ﷺ.

وقال الحكم بن أبان: هي النبل. والثاني: ذكور الخيل، قاله عكرمة. والثالث: السلاح، قاله السدي، وابن قتيبة. والرابع: أنه كل ما يُتقوَّى به على حرب العدو من آلة الجهاد.

قوله تعالى: وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ يعني ربطها واقتناءها للغزو وهو عام في الذكور والإناث في قول الجمهور. وكان عكرمة يقول: المراد بقوله تعالى: «ومن رباط الخيل» إناثها.

قوله تعالى: تُرْهِبُونَ بِهِ روى رويس، وعبد الوارث «تُرَهِّبُون» بفتح الراء وتشديد الهاء، أي: تخيفون وترعبون به عدو الله وعدوكم، وهم مشركو مكة وكفار العرب.

قوله تعالى: وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ أي: من دون كفار العرب. واختلفوا فيهم على خمسة أقوال «٢» : أحدها: أنهم الجن. روي عن رسول الله ﷺ أنه قال:

(٦٥٦) «هم الجنّ، فإنّ الشيطان لا يخبِّل أحداً في داره فرس عتيق» .

Footnotes are the editor's words, not the author's.

Go to a verse