Commentaries: 3 shown of 13 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
يقولُ تعالى ذِكرُه: وإن اللهَ يا محمدُ سميعٌ لما يقولُ أصحابُك، عليمٌ بما
ص ١١/ ٢٠٩
يُضْمِرونه، إذ يُرِيك اللهُ عدوّكم وعدوَّهم ﴿فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾. يقولُ: يُرِيكهم في نومِك قليلًا فتُخْبِرُهم بذلك، حتى قوِيَت قلوبُهم، واجْتَرءوا على حربِ عدوِّهم، ولو أراك ربُّك عدوَّك وعدوَّهم كثيرًا لفَشَل أصحابُك، فجبُنوا وخاموا (١)، ولم يَقْدِروا على حربِ القومِ، ولَتَنازعوا في ذلك، ولكنَّ اللَّهَ سلَّمهم مِن ذلك بما أراك فى منامِك من الرؤيا، إنه عليمٌ بما تُجِنُّه (٢) الصدورُ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مما تُضْمِرُه القلوبُ.
وقد زعَم بعضُهم أن معنى قولِه: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾. أي: في عينِك التى تنامُ بها، فصيَّر المنامَ هو العينَ، كأنه أراد: إذ يُرِيكهم اللهُ في عينِك قليلًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾. قال: [أراه اللهُ إياهم] (٣) في منامِه قليلًا، فأخبرَ (٤) النبىُّ ﷺ أصحابَه بذلك، فكان تَثْبيتًا لهم (٥).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن
قال مجاهد: أراهم الله إياه في منامه قليلًا، وأخبر النبي ﷺ أصحابه بذلك، فكان تثبيتًا لهم (٣)، وكذا قال ابن إسحاق وغير واحد (٤)، وحكى ابن جرير عن بعضهم، أنه رآهم بعينه التي ينام بها (٥).
وقد روى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يوسف بن موسى [التستري] (٦) حدثنا أبو قتيبة، عن سهل السراج، عن الحسن في قوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ قال بعينك (٧)، وهذا القول غريب، وقد صرح بالمنام ههنا، فلا حاجة إلى التأويل الذي لا دليل عليه، وقوله: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ أي: لجبنتم عنهم، واختلفتم فيما بينكم، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أي: من ذلك، بأن أراكهم قليلًا ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بما تكنُّه الضمائر وتنطوي عليه الأحشاء، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر].
وقوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ وهذا أيضًا من لطفه تعالى بهم، إذ أراهم إياهم قليلًا في رأي العين، فيجرُّؤهم عليهم ويطمعهم فيهم.
قال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: لقد قُلِّلوا في
ص ٤/ ٢١٤
أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: لا بل هم مائة، حتى أخذنا رجلًا منهم فسألناه، فقال: كنا ألفًا، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (١).
وقوله: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن الزبير بن الحارث، عن عكرمة ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ﴾ الآية، قال: حضَّض (٢) بعضهم على بعضهم (٣). إسناد صحيح.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه في قوله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ أي: ليلقي بينهم الحرب للنقمة ممن أراد الانتقام منه، والإنعام على من أراد تمام النعمة عليه من أهل ولايته (٤)، ومعنى هذا أنه تعالى أغرى كلًّا من الفريقين بالآخر، وقلَّله في عينه ليطمع فيه، وذلك عند المواجهة، فلما التحم القتال وأيَّد الله المؤمنين بألف من الملائكة مردفين، بقي حزب الكفار يرى حزب الإيمان ضعيفة، كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)﴾ [آل عمران] وهذا هو الجمع بين هاتين الآيتين، فإن كلًّا منهما حق وصدق، ولله الحمد والمِنَّة.
هذا تعليم من الله تعالى لعباده المؤمنين آداب اللقاء وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى، أن رسول الله ﷺ انتظر في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، حتى إذا مالت الشمس قام فيهم، فقال: "يا أيها الناس لا تتمنَّوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" ثم قام النبي ﷺ، وقال: "اللَّهم مُنزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم" (٥).
وقال عبد الرزاق: عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تتمنَّوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا واذكروا الله، فإن صخبوا وصاحوا فعليكم بالصمت" (٦).
قوله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا فيه قولان:
(٦٤٩) أحدهما: أن نبي الله ﷺ رأى عسكر المشركين في المنام قبل لقائهم في قلَّة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال مجاهد: لما أخبر أصحابه بأنه رآهم في المنام قليلاً، كان ذلك تثبيتاً لهم.
قال أبو سليمان الدمشقي: والكلام متعلق بما قبله، فالمعنى: وإن الله لسميع لما يقوله أصحابك، عليم بما يضمرونه، إذ حدثتَهم بما رأيت في منامك.
والثاني: إذ يريكهم الله بعينك التي تنام بها، قاله الحسن «١» . قال الزجاج: وكثير من النحويين يذهبون إلى هذا المذهب. ومعناه عندهم: إذ يريكهم الله في موضع منامك، أي: بعينك ثم حذف الموضع، واقام المنام مقامه.
قوله تعالى: لَفَشِلْتُمْ أي: لجبنتم وتأخَّرتم عن حربهم. وقال مجاهد: لفشل أصحابك، ولرأوا ذلك في وجهك. قوله تعالى: وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ أي: لاختلفتم في حربهم، فكان ذلك من دواعي هزيمتكم، وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ من المخالفة والفشل.
قوله تعالى: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا قال مقاتل: صدَّق الله رؤيا رسوله التي أخبر بها المؤمنين عن قلة عدوهم قبل لقائهم، بأن قلَّلهم وقت اللقاء في أعينهم. وقال ابن مسعود: لقد قلُّوا في أعيننا، حتى قلت لرجل إلى جانبي: أتُراهم سبعين؟ قال: أُراهم مائة حتى أخذنا رجلاً منهم، فسألناه، فقال: كنَّا ألفاً. قال أبو صالح عن ابن عباس: استقلَّ المسلمون المشركين، والمشركون المسلمين، فاجترأ بعضهم على بعض. فإن قيل: ما فائدة تكرير الرّؤية ها هنا. وقد ذكرت في قوله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ؟ فعنه جوابان: أحدهما: أن الأولى كانت في المنام، والثانية في اليقظة.
والثاني: أنّ الأولى للنبيّ ﷺ خاصة، والثانية له ولأصحابه. فان قيل: تكثير المؤمنين في أعين الكافرين
ص ٢/ ٢١٥
أولى، لمكان إعزازهم. فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنهم لو كثروا في أعينهم، لم يقدموا عليهم، فلم يكن قتال، والقتال سبب النصر، فقلَّلهم لذلك. والثاني: أنه قلَّلهم لئلا يتأهَّب المشركون كل التأهُّب فاذا تحقق القتال، وجدهم المسلمون غير مستعدين، فظفروا بهم. والثالث: أنه قلَّلهم ليحمل الأعداء عليهم في كثرتهم، فيغلبهم المسلمون، فيكون ذلك آية للمشركين ومنبِّهاً على نصرة الحقّ.
(٦٥١) قال المفسرون: هم أبو جهل ومن خرج معه من مكة، خرجوا ليدفعوا عن عيرهم التي كانت مع أبي سفيان، ومعهم القيان والمعازف، وهم يشربون الخمور. فلما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز ما معه، كتب إليهم: إني قد أحرزت أموالكم فارجعوا. فقال أبو جهل: والله لا نفعل حتى نَرِدَ بدراً فنقيم ثلاثاً، وننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونسقي الخمور، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابونا.
Editor's text
عزاه المصنف لأبي صالح عن ابن عباس وهي رواية واهية كما تقدم مرارا.
- وأخرجه الطبري ١٦١٦٥ عن مجاهد بنحوه.
Footnotes are the editor's words, not the author's.